تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
فزعهم حتى بعد انجلاء الخطر . ويتواصل تصوير المنافقين بصور عدة ، زيادة في إيضاح طبيعتهم الجبانة يقول تعالى :
وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ
الأحزاب : 20 . وصورتهم هنا وهم قاعدون في البادية بعيدا عن المعركة ، يتلقفون الأخبار ، تتواصل مع الصور الأخرى لهم ، وتترابط ضمن نظام العلاقات التصويرية لكشف حقيقة هذا النموذج الجبان المتحالف مع المشركين واليهود ضد المسلمين . وترسم الصورة أثر المعركة في المؤمنين ، لإظهار الفوارق بين نموذج الإيمان ، ونموذج النفاق ، يقول تعالى :
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً
الأحزاب : 22 . إن هذه الصورة بما فيها من إيمان وثبات وطمأنينة وتسليم لله ، تقابل صورة الجبن والخوف ودوران العيون في الأحداق في الموقف العصيب . والتقابل هنا عن طريق التضاد ، يظهر الفوارق بين النموذجين ، ويهدف إلى تربية الأمة بالأحداث من خلال تجسيم انفعالاتها ، والتعقيب عليها بالتوجيهات الدينية الملائكة لها ، وإبراز قدرة الله في الأحداث ، والتأثير في نتائجها . ثم يختم تصوير المعركة بقوله تعالى :
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
الأحزاب : 25 . هذه هي صورة المشركين ، وهم منهزمون ، يأكل الغيظ أكبادهم ، لأنهم أخفقوا في تحقيق أهدافهم ، ويلاحظ في التعبير إسناد الفعل « رد » إلى الله الفاعل الحقيقي ، فكل ما تمّ في المعركة من بدايتها إلى نتيجتها كان بفعل الفاعل الحقيقي وهو الله ، وهذا ما تبرزه الصورة وتؤكده من خلال رصد الأحداث . أمّا حلفاء المشركين فقد حلّ بهم القتل والأسر أيضا ، يقول تعالى :
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
الأحزاب : 26 . فالعنصر البارز في تصوير الأحداث هو المعنى الديني ، فهو المحور الذي ينطلق منه تصوير الحدث ، وهذه سمة بارزة في تصوير الحوادث الواقعية في القرآن الكريم ، لخصوصية
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 248 | عبد السلام احمد الراغب