تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
ويتأمل صورتهم وهم موزّعون هنا وهناك عليه بشكل يدل على الفزع والاضطراب ، وما يصاحب حركة الهروب من أصوات ونظرات فزعة
وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ
فترتسم ظلال الخوف والفزع على الصورة ، بحركاتها ، وهيئاتها وخطوطها . والعنصر البارز في هذا المشهد ، هو عنصر الحركة ، لأنه يلائم جوّ الهزيمة ، لهذا كان الاعتماد في التصوير على الفعلين المضارعين ، تصعدون - تلوون . ثم في دقة اختيار فعل
تُصْعِدُونَ
من الفعل أصعد ، للدلالة على الصعود البعيد وليس القريب كي يتناسق التصوير مع المعنى المرصود . وتقابل حركة الفرار ، حركة الثبات في أسفل الجبل ، في أرض المعركة للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وهكذا نلاحظ في تصوير مشهد الهزيمة حركة مضطربة في الجبل ، وحركة ثابتة في أسفل الجبل ، وخوفا وأمانا في الوقت نفسه ، لتوضيح الفوارق في الطباع والحالات النفسية في مثل هذه الظروف والأوضاع . ثم تتحوّل الصورة لرسم مشهد آخر لهؤلاء الفارين ، بعد أن تابوا إلى الله وعفا عنهم ، وهو مشهد مغاير للسابق ، فيه الطمأنينة ، والهدوء لتلك النفوس ، يقول الله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
آل عمران : 154 . فالصورة إذا تجسّم النفس البشرية ، في حالة خوفها وفزعها ، كما رأينا في المشهد السابق ، وفي حالة هدوئها واطمئنانها أيضا . كما ترى في هذا المشهد ، لأن صورة النعاس الغاشي للعيون توحي بذلك . وهناك طائفة أخرى ، لا تهتم إلا بمصالحها الدنيوية ، وسلامتها ، فهؤلاء كانوا يرون أنهم عرّضوا أنفسهم للقتل في تلك المعركة الخاسرة برأيهم ، وأكثروا الجدال ، في هذا الأمر ، وأخفوا حقيقة أنفسهم ، فجاء القرآن الكريم وفضحهم بقوله :
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ
آل عمران : 154 ، فهؤلاء قد امتلأت نفوسهم كراهية للحرب ، لأنهم يرون أنهم عرّضوا أنفسهم للموت فيها ، فجاء توضيح حقيقة الحياة والموت ، وقدر الله النافذ في الآجال في صورة موحية ومؤثرة ، يقول تعالى :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
آل عمران : 154 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 244 | عبد السلام احمد الراغب