تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
بل يرتبطون بالله الذي لا يموت ، ودعوته الباقية . وقد جاءت الصورة تجسّم مشاعرهم في صورة حسية
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
وحركة الانقلاب على الأعقاب حركة حسية ، تعبر عن حركة نفسية داخلية ، فقد أحس بعضهم أنه لا فائدة من الاستمرار بعد قتل الرسول أو موته ، وكأن المعركة القائمة ، هي بين أشخاص ، وليست بين مبادئ . فجاءت الصورة بهذه الحركة الحسية المستنكرة ، لتوحي لهم بأن المعركة ليست كذلك بل هي بين الإيمان والكفر ، وهي معركة مستمرة ، وإن مات الأشخاص ، لأنهم يرتبطون بالله الحي الذي لا يموت لذلك جاء التعقيب بقوله :
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
. فالله غني عن العباد ، وهم المحتاجون إليه ، وهكذا تؤدي الصورة وظيفتها الدينية من خلال تصوير الأحداث . وتلتقط الصورة الفنية حالة المسلمين النفسية والحسية وهم يفرون من أرض المعركة ، فترسمها في مشهد حي متحرك يقول تعالى :
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
آل عمران : 153 . فالمشهد هنا ، يعرض حركة هزيمة المسلمين في أحد ، وهم مصعدون في الجبال هربا من المعركة ، ونفوسهم خائفة مضطربة ، وقد جسّمت الحالة النفسية لهم في هذه الحركة الحسية ، وكأننا نراهم في المشهد الآن مصعدين في الجبل ، لا يلتفت أحد وراءه ، والرسول يدعوهم في أسفل الجبل إلى العودة ، ولكنهم لا يسمعون نداءه لشدة فزعهم أو أن حالتهم النفسية المضطربة تمنعهم من إجابة دعائه . ويعتمد تصوير الحدث على الفعل المضارع
تُصْعِدُونَ
لإحياء المشهد ، واستحضاره من الزمن الماضي إلى الحاضر كما أن الفعل
تُصْعِدُونَ
من الفعل الماضي أصعد ، وهو يدل على الذهاب البعيد ، بخلاف الفعل صعد . واختيار الفعل هنا يوحي بأنهم بلغوا مكانا بعيدا في الجبل العالي هاربين من المعركة ، والخيال يتابع من خلال المشهد الحي الشاخص ، حركتهم المضطربة في صعود الجبل ،