تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وذات الصدور ، كناية عن الأسرار الملازمة للصدور ، فالله يعرف أسرار النفوس ، ويعرف ما وراء الاحتجاج على المعركة من أسرار وهواجس ، يكشفها لأصحابها أولا ، وللناس جميعا ثانيا ، لأنهم قد يمرون بمثل هذه الأحداث فتجيش صدورهم بمثل هذه الأوهام حول المعركة مع الباطل . والحقيقة المصورة هنا ، أن الموت قدر الله النافذ لا محالة ، وله موعد محدد ، لا يتقدم ولا يتأخر ، لهذا فإن المعركة لا تقدّم أجل الإنسان ، كما أن التقاعس عنها لا يؤخره عن موعده المرسوم . وقد صوّرت هذه الحقيقة بقوله :
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
وصورة المضجع الذي هو مكان الراحة والاسترخاء ، يتحوّل هنا إلى قبر لصاحبه ، الذي كتب عليه القتل حسب الأجل المرسوم له . ثم تعود الصورة من جديد ، لتلمس طائفة الفارين ، وتربط هزيمتهم ، بوساوس الشيطان ، حتى يرتدع المؤمنون عن الفرار يوم الزحف ، فالشيطان هو الذي استزلّهم ليتبعوه فارّين من المعركة . يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ . . .
آل عمران : 155 . وصورة الشيطان غير محسوسة ، ولكنّ أثرها محسوس مجسّد في حركة الفرار من المعركة . وكلمة
اسْتَزَلَّهُمُ
ترسم بجرسها صورة حية للشيطان ، وهو يجرّ قدم المقاتل لتزلّ زلة ، تتبعها زلّات حتى ينقاد أخيرا لخطوات الشيطان ، فيتبعه في حركة الفرار من المعركة . والفعل في صيغته الطلبية ، يوحي بطريقة الشيطان في الوسوسة ، بشكل متدرّج ، حتى يقع الإنسان في مصيدته أخيرا . وهكذا توظّف هذه الصورة المجهولة بمالها من رصيد نفسي في قلب المسلم ، ورصيد تاريخي وديني ، في عداوة الشيطان للإنسان في معالجة النفوس التي اضطربت وانهزمت حتى يعيدها من جديد إلى طريق الاستقامة على منهج الله سبحانه . والصورة في غزوة الأحزاب ، تعرض بداية المعركة ونهايتها ، قبل عرض التفصيلات والمواقف ، حتى يتّضح أثر القدرة الإلهية في تلك المعركة ، وفضل الله على المؤمنين ، يقول الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً
الأحزاب : 9 . فالصورة هنا ترسم لنا بداية المعركة ونهايتها بكلمات موجزة ، فقد جاء جنود ، والتنكير