تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
مَفْعُولًا
الأنفال : 44 . فالصورة للمعركة ، ترسم بكل ما فيها من مواقع وحركات حسية ، ومشاعر نفسية ، تتجلى في تقليل كل فريق في عين الآخر ، وأثر ذلك في نفسه ، وطمعه في لقائه ، لإنفاذ قدر الله في إحقاق الحق ، وقطع دابر الكافرين . وتلحّ الصورة على تجسيم مشاعر المسلمين في لحظات المواجهة ، بعد أن أيقنوا أنه لا بدّ منها ، في مشهد حي شاخص فقد توجّهوا بالدعاء والاستغاثة ، يقول تعالى :
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ
الأنفال : 9 ، والاستغاثة توحي بشدة إحساسهم بالضعف أمام قوة قريش ذات الشوكة ، هذا الإحساس الداخلي نراه مجسّما في مشهد الاستغاثة الجماعي ، في ساعة المواجهة ، ويعتمد التصوير على الفعل المضارع
تَسْتَغِيثُونَ
لاستحضار المشهد وإحيائه ، وجعله حاضرا محسوسا ، ثم عطف عليه بالفعل الماضي إلى الحاضر بقصد تجسيمه أمام المخاطب ، وبدء عرض المشهد كما وقع بعد ذلك ، وهذه طريقة القرآن التصويرية في إحياء المشاهد قبل استعراضها فقد استجاب الله استغاثتهم ، وأمدهم بالملائكة ، وصورة هذا المدد غيبيّة ، موحية تدل على أن الله معهم ، وهو الذي يدير المعركة بنفسه ، وما هم إلا ستار لقدر الله النافذ ، وكان أثر هذا المدد الغيبي هو تطمين النفوس الخائفة ، وتثبيت الأقدام المضطربة في المعركة ، مع تصحيح التصور والاعتقاد بأن النصر هو من عند الله وليس من سواه . ثم تجسّم الصورة اطمئنان النفوس بعد ذلك ، في مشهد شاخص يقول تعالى :
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
الأنفال : 11 ، وصورة النوم الغاشي للعيون ، توحي بالاطمئنان بعد الفزع ، ثم صورة الغيث الرّهام ينزل عليهم من السماء ، توحي بتطهير أجسامهم بعد تطهير نفوسهم يقول تعالى :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
الأنفال : 11 . فتوفّرت بذلك كل العوامل المعنوية الضرورية قبل مواجهة الأعداء ، من شعور بالطمأنينة ، والراحة والوعد بالدعم ، وتثبيت الأقدام . وتلتقي صورة المطر الهاطل ، بصورة المدد النازل ، وتتحد الصورتان في دعم موقف المسلمين .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 238 | عبد السلام احمد الراغب