تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
ولفظ
يُغَشِّيكُمُ
و
النُّعاسَ
و
أَمَنَةً
تلقي ظلا لطيفا على الصورة المرسومة للحالة النفسية للمؤمنين ، وتضيء التحوّل من الفزع والخوف إلى الطمأنينة والاستقرار ، وهذا التقابل بين الصورتين النفسيتين ، وما بينهما من تضاد وفروق ، يوضح ما يفعله الله في النفوس من تبدلات بين لحظة وأخرى وفق مشيئته سبحانه . ويقوم الفعل المضارع
يُغَشِّيكُمُ
بإحياء المشهد ، واستحضاره في الذهن ، وكذلك فعل
يُنَزِّلُ
وصورة المطر الحسية ، تتلاحم مع صورة الملائكة الغيبية ، فتسكن النفوس لتوفّر الدعم المادي ، المتمثل بوجود الماء ، وتطمئن لوجود الدعم المعنوي ، المتمثل في الإمداد بالملائكة ، فتكون النتيجة قوة القلوب ، وثبات الأقدام ، وهما الشرطان الضروريان لتحقيق النصر فيما بعد . ثم يمضي التصوير للمعركة ، بعد تصوير مقدماتها يقول تعالى :
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ
الأنفال : 12 . ولا تعرض الصورة ماهية الملائكة ، ولا كيفية اشتراكهم في المعركة ، لأن هذا لا يهم في بيان الحقائق الدينية ، ولا في تقرير النتائج ، فالصورة تركّز على قوة الله التي تمدّ بهذه القوة الخفيّة ليشعر الإنسان بقوة الله الملموسة في توجيه الأحداث ، وتقرير النتائج . وتلقي صورة الملائكة في حس المؤمن الخوف من الله ، والتقرب إليه ، وتطبع في قلوب الكافرين الفزع من هذه القوة الخفية المشاركة في المعركة . لذلك كان تركيز التصوير على فعل الملائكة في ضرب الأعناق ، وضرب كل بنان ، لأن هذا هو المفيد من تصوير الأحداث . وبعد عرض هذا المشهد للمعركة يأتي التعقيب عليه ، على طريقة القرآن الكريم في التوجيه بعد التصوير لبيان المغزى يقول تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
الأنفال : 13 . فضرب الأعناق وضرب البنان ، كان بسبب كفرهم ، واتخاذهم شقا معاديا لصف الإيمان . ثم يتحوّل التعبير لمخاطبة الكافرين مباشرة على طريقة الالتفات ، للتهكم بهم ، والسخرية منهم ، يقول تعالى :
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
الأنفال : 14 . فالعذاب العاجل صار مذاقا في حلوقهم ، يشعرون بآلامه ومرارته ، وهو قبل العذاب الآجل ، في النار يوم القيامة ، ثم يأتي التوجيه من خلال التصوير في سياقه الملائم ، فيخاطب