الفصل الرابع الحوادث الواقعيّة
رأينا في الفصول السابقة كيف انتقلت الصورة بالمتلقّي ، من المعاني الذهنية الجزئية إلى صورة أكبر ، في ضرب الأمثال ، لتوضيح الحقائق الدينية الأساسية ، ثم انتقلت إلى الصورة المحسوسة ، في مشاهد الطبيعة ، لتوظيف الإدراك الحسي ، في معرفة ما وراء المشاهد المحسوسة ، من قدرة إلهية ، تجلّت في تصميم الكون وإبداعه ، وتنسيق أجزائه .
ثم تنتقل الصورة أيضا من المشاهد المنظورة ، إلى الوقائع المعاشة وقت نزول القرآن الكريم ، فتقوم بنقل الحدث ، وتصويره ، واستجاشة المشاعر نحوه ، كي يبقى الحدث حيّا شاخصا ، بكل ما صاحبه من مشاعر أو عواطف ، وتوجيهات دينية .
ولكنّ الصورة لا تعرض الحدث عرضا تاريخيا بتفصيلاته ، وإنما تصوّره من خلال التركيز على نقطة فيه ، لإبرازها ، وإلقاء الأضواء عليها ، لاستخلاص القيم الدينية الثابتة من خلالها ، وإظهار قدرة الله ، وحضوره ، في تسيير الأحداث ، وفق مشيئته وإرادته ، مع إغفال الزمان والمكان وأسماء الأشخاص ، لإضفاء سمة الشمول والعموم على تصوير الأحداث والوقائع ، حتى تبقى صورة الأحداث حية ومؤثرة ، يتفاعل معها المسلم ويستجيب للتوجيهات الدينية الواردة في ثناياها . في كل زمان ومكان .
فالصورة ، أعادت الأحداث والوقائع على الذين عاشوها ، كي تكون وسيلة تربوية لهم من خلال الأحداث ، والتوجيهات الدينية ، التي رافقت تصويرها ، كما أن الناس الذين لم يعايشوا تلك الأحداث ، يستطيعون أن يعيشوا أجواءها ، بكل ما فيها من معان ومشاعر وإيحاءات من خلال التصوير لها .