فيبدأ المشهد الثاني بالحوار
فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
الكهف : 34 - 36 .
ويتّضح في هذا المشهد فكر هذا الرجل الغني وسلوكه ، ونفسيته ، فهو يعتز بماله وأعوانه ، ويخدش مشاعر صاحبه ، ويجرح عواطفه ، ويتطاول عليه بأمواله وأعوانه ، ويمتد تطاوله على صاحبه بقوله ولسانه ، ليستعرض أمامه جنته ، ويزهو بها مفاخرا بثمارها وأشجارها وجمالها ، حتى وصل إلى درجة التطاول على ربّه المنعم عليه بهاتين الجنتين ، فنطق بكلمة سفيهة تعبر عن جهله وسوء تصوره للحياة
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً
ثم استمرّ في استعلائه على صاحبه ، وتدرّج إلى النطق بكلمة الكفر صراحة
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
ولم يتوقف عند هذا الحدّ المخزي بل ازداد غرورا بنفسه وماله قائلا :
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
.
ثم يبدأ المشهد الثالث بتصوير موقف المؤمن ، من طغيان هذا الرجل وكفره :
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ، لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ، وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً ، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ، أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
الكهف : 37 - 41 .
فالمؤمن بدأ بتذكيره أولا بالله سبحانه ، الذي خلقه في أطوار مختلفة حتى أصبح رجلا سويا ، وهذا التذكير بأصله المهين ، وأطوار الضعف التي مرّ بها ، يقصد بها التخفيف من غروره وبطره ، وردّه إلى الحق والإيمان ، كما أنّ عرض أطوار نموّه من تراب ثم من نطفة حتى أصبح رجلا يتناسق تماما ، مع عرض أطوار نمو الزروع والثمار ، والتي يدركها صاحبه لأنها مشاهد محسوسة يراها أمامه ، وهذا العرض لأطوار الحياة ، في الإنسان والزروع ، يوحي بقدرة الله سبحانه في كل طور من الأطوار ، حتى تكتمل استواء وعطاء في نهاية المطاف .
وذكر « التراب » في السياق يوحي بأصل الجنتين قبل استوائهما خضرة وجمالا وثمارا ، كما يوحي أيضا بالنهاية من التمثيل حين عادتا أيضا ترابا بعد التدمير الذي أنزل عليهما .
ويلاحظ أن الرجل المؤمن بدأ بالرد على صاحبه ، بتذكيره أولا بالله سبحانه لعله