تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
والأمثال القصصية في القرآن الكريم لا تميل إلى التفصيلات المملّة ، وإنما تركّز على موضوعها الديني في التصوير الفني ، والبناء القصصي ، فلا نجد فيها أسماء الشخصيات والأماكن كما تعودنا في القصة ، كأنها في تخطّيها للتصريح بالزمان والمكان وأسماء الأشخاص ، تهدف إلى تأصيل النظرة الشمولية للفكرة الدينية ، حتى يستوعب المثل المصور كل الأزمنة والأمكنة والأشخاص في إطاره المرسوم ، وإذا ذكر المكان أحيانا فإنه يذكر مبهما منكّرا ، لإفادة الشمول والعموم ، باعتباره وعاء للحدث الجاري ، وليس مقصودا لذاته ، ولكن هذه الأمثال القصصية تمتاز بالصدق الواقعي ، والبعد عن التصوير الأسطوري أو الخرافي . وتعتمد التنويع في تصوير الشخصيات ، فقد تتناول شخصية واحدة ، لإبراز معالمها وأفعالها كمثل الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها ، وقد تتناول شخصيتين متناقضتين ، لإظهار الفكرة الدينية من خلال التناقض بين الشخصيتين في السلوك والتفكير ، كمثل الحوار بين الكافر صاحب الجنتين ، والمؤمن . وقد يتناول المثل سلوك طبقة اجتماعية كاملة ، يظهر فكرها وسلوكها وبعدها عن منهج الله ، كمثل أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . وقد يضرب المثل بامرأتين في بيئتين مختلفتين ، كمثل امرأة نوح وامرأة لوط الكافرتين في بيئة متدينة . أو كمثل امرأتين صالحتين هما امرأة فرعون في بيئة كافرة ، ومريم ابنة عمران كنموذج للمرأة الصالحة الصابرة . يقول الله تعالى في مثل الذي انسلخ من آيات الله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَاتَّبَعَ هَواهُ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ، ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ
الأعراف : 175 - 177 . والقصة المضروبة مثلا هنا ، ليس فيها تحديد للزمان ولا للمكان ، وليس فيها ذكر لاسم الشخص المذكور ، لأن المثل يركّز على العبرة والعظة من القصة ، ولا يحفل بمثل هذه الجزئيات ، التي لا تخدم الغرض الديني من التصوير فالمثل يركّز على تصوير سلوك هذا الشخص ، وأحوال نفسه ، واتباعه هوى النفس وشهواتها ، وسيره وراء خطوات الشيطان ، وخلوده إلى الأرض الفانية ، وتعلّقه بالدنيا الزائلة .