تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فيها ، والتخويف بالنار للابتعاد عنها . ويكثر في المثل الأخير أنواع النعيم فالأنهار أنواع من ماء ولبن وخمر وعسل ، وكل نوع خالص من شوائب الدنيا ، وما يعتوره من عوامل التغير والتحوّل . للإيحاء بأن العالم الآخر . عالم مختلف عن عالم الدنيا في جوهر نعيمه وإن تشابهت أوصافه الحسية به ، أما خواص تركيبه ، وطعومه فمختلفة عما هو مألوف في الدنيا ، والتنوّع في الثمار كالتنوّع في الأنهار سواء بسواء . ويلاحظ التناسق البديع في التصوير في أنهار الشراب ، من ماء وخمر ، ولبن ، وعسل ، واقتضى التنسيق والتنظيم في الصورة أن يكون مشهد العذاب كذلك يعتمد على الماء الحميم الذي يقطّع الأمعاء ، لتتضح الفوارق بين ماء وماء ، ونعيم وعذاب ، وإيمان وكفر وقد استغرب المشركون ، حين نزل قوله تعالى في الملائكة الذين يحرسون النار :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
المدثر : 30 ، وأثاروا الشبهات حول هذا العدد القليل في حراسة النار أمام ملايين البشر . فرد الله عليهم هذه الشبهات موضحا أن هؤلاء الملائكة لا يعرف ماهيتهم إلا الله ، ولا يعرف قدرتهم إلا الله ، والعدد المثير للجدل ، هو من قبيل الرموز فكل عدد سيثير الجدل أيضا يقول الله تعالى :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ، وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
المدثر : 31 . وقولهم :
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
يوحي بأن الله قد ضرب لهم المثل ، أو أنهم اعتبروا الحديث عن ملائكة النار مثلا لغرابته وندرته . فكان الرد عليهم بأن الله حدد طريق الهدى ، وطريق الضلال ، والحديث عن الملائكة وجنود الله ، هو من الغيب المستور ، البعيد عن إدراك البشر المحدود ، فلا حاجة للخوض فيه . والمجموعة الأخيرة هي الأمثال القصصية ، التي نصّ القرآن الكريم على أنها أمثال ، وهي مترابطة بالروابط الفكرية والتصويرية والتعبيرية ، لتمييز هذه الأمثال عن غيرها ، وإعطائها الطابع الخاص بها ، ولكنها أيضا تدور بعلاقاتها وروابطها ، حول حركة الأمثال القرآنية ، وتتحرك باتجاهها في تحقيق الغرض الديني من التصوير .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 189 | عبد السلام احمد الراغب