تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
يستيقظ من غفلته ثم تابع ذلك بالتوجيه والنصح حين لم يلمس تجاوبا من صاحبه ، ويحمل النصح طابع التوبيخ وهذا ما نلاحظه في قوله
وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . . .
ولكنه حين يئس من صاحبه ، دعا على جنته بالخراب ، فاستجاب الله دعاءه :
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ، هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً
الكهف : 42 - 44 . ويختم المثل بمشهد الخراب والدمار ، وهو يقابل مشهد الجنتين المثمرتين في أول المثل ، ومشهد الألم والندم لصاحب الجنتين في نهاية المثل ، يقابل صورته في المشهد الثاني حين كان مزهوا بها كافرا وجاحدا للنعمة . وهكذا تتقابل المشاهد في المثل الواحد ، لرسم لوحة فنية ، تجمع صورا متناقضة ، وحالات متباينة ، لتحقيق الغرض الديني من تصوير المثل . وهنالك مثل آخر مطوّل ، يوضّح سلوك جماعة من البشر ضد دعوة الرسل يقول الله تعالى في مستهله :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . . .
يس : 13 . ويمكن تقسيم هذا المثل القصصي إلى ثلاثة مشاهد . في المشهد الأول : تركيز على دعوة الرسل لأهل القرية ، ورفض أهل القرية لهذه الدعوة . يقول الله تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ، إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ، قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ، قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ، وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ، قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ، قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
يس : 13 - 19 . فالمثل لا يذكر اسم القرية ، ولا موقعها ، وكذلك لم يذكر أسماء الرسل الذين أرسلوا إليها ، على طريقة تصوير الأمثال في القرآن الكريم في التركيز على القضايا الفكرية والعقدية ، لتحقيق الغرض الديني من المثل المصور . وذلك لإضفاء صفة الشمولية عليه ، التي تنطبق على كل زمان ومكان ، وكل جيل من الأجيال . والمثل يركّز على تعاقب الرسل على أهل القرية ، وأهل القرية مصرّون على العناد والتكذيب بل إنهم لجؤوا إلى تهديد الرسل