تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ويتضاعف ثمرها وإن لم يصبها الوابل ، فيكفيها المطر القليل ، وهو الطلّ لكي تنمو وتثمر ، وتؤتي أكلها ضعفين ، لطيب تربتها ، وكرم مغرسها . والتصوير بالوابل والطلّ ، يوحي بالإنفاق الكثير والقليل ، فالإنفاق الخالص لوجه الله وإن قلّ يتضاعف أجره ، كما توحي الصورة بذلك . ويرتبط هذا المثل قبله ، ويتفاعل معه لإيضاح الفروق بين النموذجين ، ويتمّ هذا التفاعل ، عن طريق التماثل في عناصر التصوير ، والتضاد في آثارها وإيحاءاتها . في الوقت نفسه . فالوابل الهاطل من السماء مكوّن أساسي في الصورتين ، ولكن أثره مختلف فيهما ، فهو هنا عامل نماء وحياة ، لقابلية الربوة للخير ، واستعدادها له ، وهي تمثّل قلب المؤمن العامر بالإيمان والمستعد لبذل الخير والعطاء باستمرار ، أما الوابل على الصفوان ، فقد كشف جوهره المجدب وعدم نفعه لاستقبال الخير ، ولو ستره وراء طبقة ترابية رقيقة التي تمثل عمل الخير في الظاهر ، فالفروق واضحة في المثلين ، فهنا جنة بربوة وثمار وأرض طيبة ، وتربية صالحة للنماء والحياة والسماء تجود عليها بغيثها الكثير أو القليل ، وهي تستقبله ، فتفيض عطاء ونماء ، وهناك حجر صلد ، وتراب خادع ، وتربة فاسدة ، وموت وضياع . وتبرز الفوارق أيضا في ملامح النموذجين من خلال تصوير المثلين . ويتواصل المثل الأخير مع المثل الثاني في هذه المجموعة مع بعض اللمسات النفسية المؤثرة . يقول الله تعالى :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
البقرة : 266 . فالصورة في هذا المثل ، تبرز إبطال العمل ، أيّا كان صاحبه ، مرائيا أو منّانا أو غير ذلك . وترسم الجنة بمشاهد تجذب الأنظار إليها في بداية المثل ، ليزداد الألم والحسرة عليها في نهاية التصوير حيث نرى مشهد تدميرها بشكل مؤثر . فهي جنة من نخيل وأعناب ، فيها الأنهار الجارية ، والثمار المتنوّعة الأخرى ، ويترك للخيال أن يستحضر صور الثمار الأخرى غير الأعناب والنخيل ، ثم هذه الجنة استمرت في