تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
والصورة في المثل القرآني هنا ، ترسم الدنيا ، وهي قائمة نضرة مغرية ، وكذلك وهي فانية ، والتقابل بين هاتين الحالتين للدنيا ، أو الصورتين لها في المثل الواحد ، يبرز نظام العلاقة بين الصورتين في السياق الواحد ، وتفاعلهما معا ، لإظهار المعنى ، وتحريك الخيال وهو يتابع سرعة التحوّل في السياق من الصورة الأولى للدنيا ، إلى الصورة الثانية . بشكل نام متحرك مثير ، ويقوم الخيال بملء الفجوات لنموّ الصورة الأولى للدنيا بأطوارها أو مراحلها المختلفة ، حتى تغيب في الصورة الثانية لها ، وهي صورة الفناء ، وتنطبع صورة الفناء بقوة في مخيلة الإنسان ، ليدرك أن التعلّق بالدنيا وهي في صورتها الأولى مقبلة ومغرية ومتزيّنة هو نوع من الأوهام الخادعة ، طالما أنها إلى زوال وفناء ، وتطلّ الحقيقة الخالدة من وراء الدنيا الفانية ، وهي حياة الخلود يوم القيامة وما فيه من نعيم دائم ، وعذاب مقيم . وتتعاون العلاقات التعبيرية والتصويرية في إبراز الغاية من المثل المضروب ، فالماء هو أصل الحياة ، واختلاطه بالنبات ، وجريانه في عروقه ، يوحي بحب الناس للدنيا ، وتغلغلها في قلوبهم ، ثم تشخيص الدنيا ، وجعلها كالعروس في زينتها وإغرائها ، تفتن الناس بزخرفها ومظاهرها الخادعة ، فيتعلق الناس بها ، وينغمسون في لذائذها ، ثم تحدث المفاجأة في غمرة الافتتان بها
أَتاها أَمْرُنا
فتصبح « حصيدا » ويترك للإنسان أن يتخيل مشهد الأرض الحصيد اليابسة الزائلة ، ليذكر صورتها الأولى في نضارتها وزينتها ، فيدرك أن زينتها خادعة ، وأن حقيقتها فانية ، وقوله :
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
تأكيد على ذلك المعنى ، وإيحاء بقصر مدة الصورة الأولى ، وسرعة زوالها ، وانمحائها ، وصورة فناء الدنيا تلقي في الحس ، احتقارها ، وخداع مظاهرها ، وتوجّه الإنسان إلى الحياة الباقية في الدار الآخرة ، وهذا ما يهدف إليه تصوير المثل هنا . ويرتبط المثل الثاني للدنيا ، بالمثل الأول بعدة روابط تعبيرية وتصويرية وفكرية ، من أهمّها ، اعتماد تصوير المثل على « الماء » واختلاطه بالنبات ، وتغلغله في عروقه ، للإيحاء بحب الناس للحياة الدنيا ، ثم التماثل في نهاية تصوير الدنيا بين المثل الأول والثاني ، في فناء الدنيا ، والإيحاء بالدار الباقية ، وقوة الله القادر على كل شيء . يقول الله تعالى :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 181 | عبد السلام احمد الراغب