تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
لأن صورته تنطبق على المشبه . فاليهود حملوا التوراة في عقولهم وصدورهم ولكنّهم لم يستفيدوا بما جاء فيها من أفكار وأحكام ، ودعوة إلى الإيمان برسول يأتي من بعد موسى ، اسمه أحمد ، فكان مثلهم كمثل الحمار ، يحمل على ظهره كتبا نفيسة ، وهو لا يدري ما فيها ، ولا ينتفع منها ، وليس له من حملها إلا التعب والنصب . فالمثل لا يصوّر اليهود بالحمار في حالة الإفراد ، وإنما يمثّل حالتهم في حمل التوراة مع عدم الاستفادة منها ، بصورة الحمار يحمل أسفارا ، ولا ينتفع منها . فصورة المثل صورة مركبة وليست مفردة ، وهو يجمع إلى جانب التصوير الموحي التحقير والترذيل لليهود ، لذلك جاء التعقيب على المثل بقوله :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ . . .
. ومثل آخر يتعلق بالنصارى ، وقد قال النصارى في عيسى كلاما كثيرا ، لأنه ولد من غير أب ، فمنهم من جعله إلها ، ومنهم من جعله ابنا لله ، وأثاروا الجدل حول ولادته من غير أب ، علما بأنهم لم يجادلوا في خلق آدم ، الذي خلق من غير أب ولا أم ، فضرب المثل القرآني لهم لإقناعهم ، وإقامة الحجة عليهم من خلال تصوير هذا المثل
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
آل عمران : 59 . فالمثل هنا موجز واضح ، يقيم الحجة على بشرية عيسى عليه السّلام ، وينفي الشبهات حول معجزة ولادته ، وينفي التصورات الباطلة حول ألوهيته . وذلك عن طريق التماثل بين المشبه والمشبه به ، وربط المعجزة الصغرى بالمعجزة الكبرى ، حتى تتضح حقيقة المشبه وهو عيسى . والمثل يوضّح أن منطق الإعجاز في الخلق من عدم ، يختلف عن المنطق المعروف في التزاوج والتناسل ، ويردّهم المثل هنا إلى التراب ، وهو الأصل في تركيب البشر ، وهذا هو الإعجاز ، وهو ما يجب أن يقاس عليه عيسى في خلقه وتكوينه ، فآدم خلق مباشرة دون قانون طبيعي وفق إرادة الله ومشيئته ،
كُنْ فَيَكُونُ
وهذا سرّ الحياة الغامض الذي لا يعرفه إلا الله سبحانه ، وعيسى يقاس بآدم وفق المشيئة والإرادة الإلهية ، وإرادة الله في الخلق والإيجاد لا تخضع لقانون يعرفه الإنسان أو يتصوره ، لأن الله هو واهب الحياة ، وواضع القوانين لتسيير الكون والحياة ، وإذا كان الإنسان في العصر الحديث قد اكتشف بعض القوانين المادية المبثوثة في الكون والحياة ، فإن قانون الحياة فإن قانون الحياة هو فوق المادة ، وليس أمام