نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ » « 25 » .
ويستمر تصوير الأمثال في وصف المنافقين ، في مثل قرآني آخر ، يوضح دور المنافقين في التحالف مع اليهود ضد المسلمين ، فقد قال المنافقون لليهود بأنهم سيقاتلون معهم المسلمين ، وأغروهم بالحرب ، ولكنّ المنافقين خذلوهم ، وتركوهم وحدهم يواجهون المسلمين ، فكان مثلهم كما قال الله تعالى فيهم :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
الحشر : 16 ، فالله ضرب هذا المثل لتصوير موقف المنافقين من اليهود ، حين أغروهم بمقاومة المسلمين ، ولكن موقف المنافقين تغيّر بسرعة ، حين رأوا انتصار المسلمين على اليهود ، وجلاء اليهود عن المدينة ، فمثل الله حالهم بحال الشيطان مع الإنسان ، فالشيطان يغري الإنسان باتباعه بطرق شتّى فإذا تمّ إغواؤه فضلّ عن السبيل وطغى وكفر ، تملّص الشيطان منه ، ونفض يديه من تحمّل مسؤولية إضلاله ، وتركه يواجه العذاب والهلاك وحده . وهذا ما حدث لليهود حين استجابوا لإغراءات المنافقين ، وأعلنوا عداءهم للمسلمين طمعا في دعم المنافقين لهم دعما ماديا ومعنويا ، ولكنّ المنافقين سرعان ما تملصوا من وعودهم حين جدّ الجدّ ، وجلا اليهود عن المدينة ، تبّرءوا منهم ، وعادوا إلى إظهار الإسلام . والعلاقة قوية بين الممثّل والممثل له أو بين المنافقين والشيطان ، فهم أولياؤه وأعوانه ، يقومون بدور خطير في تهديم المجتمع الإسلامي من داخل الصفوف .
والمثل المضروب لهم ينطبق على المشبه تماما فدورهم هو دور الشيطان نفسه ، بكل مراحله المتدرّجة .
وترتسم صورة المنافقين ، واضحة بكل ملامحها واتجاهاتها من خلال الأمثال المصوّرة ، وتتوضح حقائق نفوسهم المظلمة ، وتذبذبهم بين هؤلاء وهؤلاء ، ودورهم الخطير في التحالف مع أعداء الإسلام ، لهدم المجتمع الإسلامي من داخل الصفوف . وتعاونت صور الأمثال في رسم هذه الملامح لهم ، بدقة وعناية ، لتحقيق الغرض الديني في التحذير من النفاق والمنافقين .
وهناك مجموعة خامسة من الأمثال المصورة تدور حول أهل الكتاب ، وهي أمثال قليلة كقول الله في اليهود
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
الجمعة : 5 .
وقد اعتمد التصوير هنا على صورة الحمار دون غيره ، تحقيرا لشأن اليهود ، وذمّا لهم ،
هامش
( 25 ) الكشاف : 1 / 213 .