الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
الحديد : 20 .
فالدنيا لعب ولهو ، تستميل النفوس الضعيفة ، وزينة خادعة ، لأنها زائلة ، وتفاخر بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد ، ولكنّ هذه الصور زائلة إذا قيست بالآخرة .
ثم يأتي المثل مصوّرا حقيقتها الفانية ، فيمثّلها بالمطر النازل من السماء ، فينبت الزروع ، حتى تنمو وتكبر وتتكاثر ، فيعجب الزرّاع بهذه الزروع المتنوعة ، ولكنّ هذه الزروع تصفرّ وتيبس وتتحطم في النهاية ، وهذا هو حال الدنيا .
ويقصد بالكفار هنا الزرّاع ، لأنهم يكفرون الحبوب في التراب أي يسترونها ، ولكن استخدام الكلمة هنا في السياق توحي بأن الكفار هم الذين يعجبون بالدنيا ، ويغفلون عن حقيقتها الزائلة وبعد تصوير زوال الدنيا في المثل ، يعقب على ذلك بذكر الآخرة باعتبارها دار البقاء والخلود وهذا التعقيب في نهاية المثل يتفاعل مع بدايته ، عن طريق التضاد ، للإيحاء بأن صور الدنيا المختلفة زائلة فانية ، وما في الآخرة من صور النعيم هو الباقي الخالد . وبذلك تتقابل الصورتان في ذهن المخاطب ، وتتفاعلان ، لتحقيق الموعظة والعبرة ، والأثر الديني الذي هو هدف تصوير المثل .
وهناك أمثال قرآنية مصوّرة للإنفاق في سبيل الله وهي المجموعة السابعة ، وهذه الأمثال مرتبطة بأمثال تصوير فناء الدنيا ، ومعتمدة عليها ، فالإحساس بالفناء يدفع الإنسان إلى الإنفاق ، وعدم التعلّق أو التمسك بالدنيا .
وأمثال هذه المجموعة ، وردت متعاقبة في سياق واحد ، وبينها علاقات ، تشدّ بعضها إلى بعض ، لتكوين وحدة منسجمة داخل المجموعة ، متميّزة باتجاهها وملامحها ، وصورها ، بالإضافة إلى حركة ارتباطاتها بالمجموعة قبلها ، واعتمادها عليها كقاعدة أساسية للإنفاق ، بعد التأكيد على زوال الدنيا في المجموعة السابقة وتدور الأمثال المصورة في هذه المجموعة حول ضرورة الإنفاق لمواساة الفقراء والمساكين والإخلاص لله في ذلك ، والتحذير من الإنفاق رياء أو مصحوبا بالمنّ والأذى للفقراء والمحتاجين ، ووعد الله للمنفقين ابتغاء وجهه ، بمضاعفة الأجر والثواب يوم القيامة .
يقول الله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
البقرة : 261 .