وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
الأنعام : 122 .
فالإيمان حياة ، يحيي العقول والقلوب والأرواح ، كالحياة في الأجساد ، والكفر موت ، يميت العقول والقلوب والأرواح ، كالموت في الأجساد ، والفوارق كبيرة بين الحياة والموت ، وكذلك بين الإيمان والكفر ويتواصل التصوير في المثل القرآني المضروب ، معتمدا على التقابل في إيضاح الفروق بين الإيمان والكفر ، فيصوّر دين الله بالنور المضيء الذي ينير طريق المؤمنين به ، فيسيرون في الحياة على وعي وبصيرة ، أمّا الكفر فيصوّره بالظلمات التي يتخبط فيها الكافرون ، ولا يخرجون منها .
فالإيمان حياة ، ودين الله نور ، واتباع هذا الدين ، يعني السير في الحياة بين الناس بالنور المضيء والوعي السديد ، وهناك أيضا صورة مقابلة للكفر ، فهو موت ، والسير في طريق الكفر ، هو السير في الظلمات والتخبط فيها طوال الحياة ، بحيرة وقلق .
ويعتمد تصوير المثل على إقامة التشابه بين الممثل به ، والممثل له ، حتى إنه ينزل الممثل به منزلة الممثل له ، ويركّز عليه زيادة في توضيح طبيعة الممثل له ، وزيادة في إبراز عناصر التصوير ، وهي هنا النور والظلمات كما كانت هناك الحياة والموت ، حتى يقيم التوازن في الأذهان بين النور والظلمات ، وبين الحياة والموت فتتضح الفوارق البعيدة بين الإيمان والكفر من خلال هذه الموازنة بين العنصرين .
ويستخلص الحكم باستحالة المساواة بين المؤمن والكافر ، كاستحالة المساواة بين النور والظلمات ، وبين الحياة والموت .
ويكثر في القرآن الكريم تصوير الإيمان بالنور والحياة ، وتصوير الكفر بالموت والظلمات ، فهذه الصور تتواصل في النسق القرآني كلّه .
كما يكثر تصوير المؤمن بالبصير والسميع ، والكافر بالأعمى والأصمّ ، وقد ورد هذا التصوير للفريقين في المثل القرآني التالي
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
هود : 24 .
ويتميّز تصوير المثل بالدقّة وصدق المشابهة بين الممثل والممثل له ، وحسن التنسيق ، والتنظيم في التقابل بين الصورتين الأعمى / البصير / الأصم ، والسميع . ومن خلال هذا