زراعية كما في المثل الأول ، أم بيئة صناعية كما في المثل الثاني ، وعناصر التصوير في كليهما ، عناصر معروفة لدى كل إنسان في كل مكان ، فهي عناصر باقية متجددة ، لأنها صور ذهنية مختزنة في الذاكرة من عالم المحسوسات .
إن الله سبحانه ضرب مثلا للحق في أصالته وثباته وبقائه وغلبته ، كما ضرب مثلا للباطل في تفاهته وزواله ، ليدرك الإنسان المخاطب ، من خلال المثلين طبيعة الحق النافعة المفيدة ، وطبيعة الباطل الفاسدة الهزيلة ، ويضع أمام عينيه نهاية الصراع بينهما ، وأن الغلبة للحق وأهله ، والهزيمة للباطل وأعوانه
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
.
ويتواصل تصوير الأمثال للإيمان والكفر ، ويرمز إليهما بكلمتين : طيّبة وخبيثة ، ويمثّلها بشجرتين من جنسهما أيضا ، يقول الله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ، أَصْلُها ثابِتٌ ، وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
إبراهيم : 42 - 26 .
فالله سبحانه يضرب هذا المثل للناس ، ليوضّح لهم حقيقة الإيمان الباقية والغالبة ، وحقيقة الكفر الخبيثة الهزيلة ، التي ليس لها جذور ولا استقرار .
ويرغب الله بالكلمة الطيبة التي هي كلمة التوحيد ، ويجسّمها في صورة الشجرة الطيبة القوية الجذور في الأرض ، والباسقة الفروع في السماء ، والدانية الثمار والعطاء ، تقابلها صورة أخرى للكلمة الخبيثة ، التي هي كلمة الكفر ، يجسّمها في صورة شجرة خبيثة مجتثّة من فوق الأرض ، فليس لها جذور ثابتة ، ولا فروع باسقة ولا ثمار يانعة ، والفوارق كبيرة بين الصورتين المتقابلتين ، كالفوارق الجوهرية بين الكلمة الطيّبة والخبيثة .
ويطول تصوير الشجرة الطيبة ، لإبراز محاسنها ، وجمالها ، الذي يشمل الجذور والفروع ، أو الباطن والظاهر ، وآثارها الدائمة في الثمار الدانية من القطوف ، كآثار الكلمة الطيبة الدائمة ، وجمالها في روح الإنسان وسلوكه .
أما تصوير الشجرة الخبيثة فجاء موجزا سريعا ، اكتفى باجتثاثها من فوق الأرض ، وترك بقية التفصيلات للخيال كي يستحضر عناصر التصوير ويكملها ، فإذا كانت الشجرة