تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
فهذه القرية التي ضربها الله مثلا ، لكل قوم بطروا النعمة ، وكفروا بالله المنعم ، الذي أنعم عليهم بشتى أنواع النعيم ، فاستحقوا بذلك الحرمان منها ، والحرمان من الأمن والرخاء . فالعلاقة بين الحرمان والبطر علاقة وثيقة ، في داخل السياق وخارجه ، فكما ترتّب الحرمان على بطر النعمة في العلاقة السياقية الملحوظة في التعبير القرآني ، كذلك يترتّب أيضا خارج السياق ، حين يكون الحرمان واقعا ملموسا بعد أن يتجسّم البطر في سلوك محسوس أيضا . ويعتمد تصوير المثل على استعارة الإذاقة لمس الضر والشدة ، وهي استعارة مألوفة لدى الناس ، واستعير أيضا اللباس لما يغشى الإنسان من حالات الخوف الشديد الذي يحيط به من كل جانب إحاطة اللباس بلابسه ، وبذلك يصبح المحسوس الملموس ، مذاقا مطعوما . يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة : « فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد ، وما يحس الناس منها ، فيقولون ذاق فلان البؤس والضر ، وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر البشع ، وأمّا اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأمّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عمّا يغشى منهما ، ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف » « 22 » ، ويوحي تصوير المثل على هذا النحو ، بالإحاطة والشدة ، لتحقيق الأثر النفسي في التخويف والإنذار من سوء عاقبة البطر ، والكفر بنعم الله . ثم يأتي التعقيب على التصوير موضحا المغزى من المثل المضروب وذلك في قوله :
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
. فيعود من جديد إلى الممثل له وهم أهل القرية لربط العقاب الشديد بأسبابه الموجبة له . ويرى سيد قطب في تصوير المثل تداخل الحواس أو تراسلها في تحقيق الأثر الديني يقول : « ويجسّم التعبير الجوع والخوف ، فيجعله لباسا ، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا ، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد ، وتتداخل في التعبير استجابات
هامش
( 22 ) الكشاف : 2 / 431 .