تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فهؤلاء الذين يتخذون من دون الله أولياء ، طلبا للحماية والنصرة ، أو لدفع الضر عنهم ، هم أشبه بالعناكب ، التي تنسج خيوطها الواهنة الضعيفة لتحتمي بها ، فهم في ضعفهم ، كالعناكب في ضعفها ، وهم في تصوراتهم وأوهامهم ، كالعناكب في احتمائها ببيوتها الواهية الضعيفة ، فالممثل به هنا ينطبق تماما على الممثل له . فالاحتماء ببيت العنكبوت ضرب من الأوهام ، كما أن اتخاذ أولياء من دون الله وهم من الأوهام . وبعد استكمال التصوير للمثل ، عقب عليه بقوله :
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
جريا على طريقة تصوير الأمثال القرآنية في ترك المثل بعد استكمال تصويره ، والعودة لإبراز الفكرة الدينية الأساسية التي هي مغزى المثل وفحواه . وهنا عاد إلى الممثل ، أي المشبه لتوضيح بطلان تصورات الذين يتخذون من دون الله أولياء ، ثم يستمر التعبير القرآني بعد التعقيب على المثل بتوضيح الفكرة الدينية ، والإلحاح عليها ، لأنها المغزى أو الهدف من تصوير هذا المثل ، وضربه للناس .
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فالله يعلم أنّ ما يتخذونه من دونه من أولياء ، لا تأثير لهم في الناس ولا في الحياة والذين لا يدركون هذا المغزى من تصوير المثل ، لا يعقلون ولا يعلمون الحقائق من وراء تصوير الأمثال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. وهكذا يتفاعل التصوير والتعبير في توضيح الفكرة الدينية ، وإبرازها للعيان ، ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية في النسق القرآني المعجز . ويتواصل التصوير ضمن هذه المجموعة من الأمثال ، بترابط الأمثال فيها ، وتفاعلها ، ونموّها لتكوين صورة مميّزة للكافرين ، فهم أشبه بالبهائم التي لا تعي شيئا ، لأنهم لا يدركون الحقائق المعروضة في تصوير الأمثال ، فإذا كانوا لم يدركوا عجز آلهتهم ، ولم يعرفوا أن الاحتماء بغير الله لا يفيد ، فقد استحقّوا هذا الوصف بالبهائم ، التي لا تعقل الوارد في قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
البقرة : 171 . فهذه الصورة البشعة تليق بالكافرين ، الذين يسمعون الهدى ، ولا يفهمونه ، ولا ينتفعون به ، فمثلهم كمثل البهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تعرف مراده ، أو تدرك غاية النداء « 21 » .
هامش
( 21 ) الكشاف : 1 / 328 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 166 | عبد السلام احمد الراغب