تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
والضعف في تلك المرحلة . وخوف موسى المطارد من فرعون يجسّم في هيئة الترصد ، والترقب ، للإيحاء بالحذر والحيطة . وخوف أم موسى على ولدها يجسّم في صورة فراغ القلب ، للإيحاء بالأمومة الحانية الوالهة . وهكذا تتواصل الصور في تجسيم الحالات النفسية ، وتتنوّع في تشكيلها ، لتصوير هذه الدقائق في الحالات والأشخاص والمواقف ، ولبعث الإيحاءات الملائمة لذلك كلّه ، فليس هناك صور جاهزة تعبّر عن الحالة الواحدة ، بصورة جاهزة مكررة ، بل هناك الصور النامية المتجددة ، الملائمة للفروق بين الأشخاص والمواقف والأنساق التعبيرية . وقد تتقابل رغبة النفوس وكرهها في التصوير ، لإبراز الفوارق بين النفوس المؤمنة ، والنفوس الكافرة . وذلك في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
القصص : 61 . ففي هذه الآية نلاحظ الوعد الحسن مشخّصا في صورة كائن حيّ مرغوب في لقائه
فَهُوَ لاقِيهِ
والنفوس المؤمنة ترغب في لقاء الله ، وتحبّ موعد اللقاء في اليوم الآخر ، وصورة أخرى مقابلة للنفوس الكافرة ، التي لا ترغب هذا اللقاء في اليوم الآخر ، لذلك فهي تحضر إحضارا في ذلك اليوم ، لتصوير كره نفوس هؤلاء للحساب ، فيحضرون إليه رغم أنوفهم ، وهذا ما يوحي به قوله :
مِنَ الْمُحْضَرِينَ
. وقد تلجأ الصورة أحيانا إلى الغرابة ، في تشكيلها لتصوير ما يصيب النفوس من قنوت ويأس من وعد الله ونصره كقوله تعالى :
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ
الحج : 15 . فهذه الصورة بما فيها من الغرابة ، تعبّر عن نفس امتلأت غيظا وقنوطا من نصر الله ، ومن كان هذا حاله فليفعل بنفسه ما شاء ، فإنه لن يغيّر من الواقع شيئا مهما بذل من جهد ، لإزالة ما يغيظه ، ولو مدّ حبلا إلى السماء ، وربط نفسه ثم قطعه ، فإن هذه المحاولة لن ترفع الابتلاء والشدة عنه . هذه الصورة المتخيلة ، لشخص علّق نفسه بحبل ممدود إلى السماء ، ثم قطعه صورة شديدة ، ذات إيحاء عميق ، فهي توضّح أنّ امتلاء النفس بالغيظ ، لا يغيّر الحقيقة الواقعة ، بل إنّ المغتاظ يقتل نفسه بغيظه لذلك ، لا بدّ من الاعتماد على الله ، والثقة به ، والاطمئنان
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 151 | عبد السلام احمد الراغب