تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
إلى الأمام ، للاستطلاع والدهشة مما يسمعون من بيان ساحر مؤثر ، ترسم حركتهم الخفية في داخل الصدور ، من خلال هذه الحركة الظاهرة لهم ، وهم يتوزّعون شمالا ويمينا في جماعات متناثرة ، حول الرسول صلى اللّه عليه وسلم في جنح الظلام وهو يتلو القرآن . فالصورة هنا ، تعبّر عن المعنى الذهني في استماعهم القرآن ، والحالة النفسية في إعجابهم ببيانه ، ثم ترصد حركتهم وقت الاستماع ، وهيئتهم وهم جماعات موزعة هنا وهناك ، وتضفي على ذلك كلّه طابع السخرية منهم ، لأنهم لا يستمعون من أجل أن يؤمنوا بل من أجل أن يتآمروا ، ويستطلعوا فقط . وتجسّم الصورة حقد النفوس على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، في حركة العيون المحدّقة بعنف وشدّة كقوله تعالى :
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ . . .
القلم : 51 ، فهذه الصورة المرسومة للكافرين بكل ما فيها من شدة وعنف ، تعبّر عن حالات النفوس الحاقدة الحاسدة على رسول الله ، وقد جسّمت هذه النفوس الشريرة في حركة العيون المحدّقة بنظرات شديدة كادت أن تزلّ بأقدام الرسول من على الأرض . كما يقول الزمخشري « 28 » . وإذا كانت الصورة هنا قد غلب عليها تصوير ما في النفوس على تصوير المعنى الذهني ، فليس معنى هذا أن الصور المتقدمة كانت خالية من ذلك ، بل إنّ الصورة القرآنية ، صورة متكاملة تعبّر عن العقل والنفس أو الفكر والشعور معا . ولكنّنا نرى أحيانا أن المعنى الذهني ، يكون هو المقصود بالتصوير أولا ، والمشاعر والأحاسيس تكون مصاحبة له . وأحيانا تكون الحالة النفسية هي المقصودة أولا ، والمعنى الذهني مصاحبا لها ومن ذلك أيضا قوله تعالى في تصوير خوف المشركين من المواعظ الدينية وإعراضهم عنها
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
المدثر : 49 - 51 . والصورة هنا ترسم خوفهم وإعراضهم في حركة حمر الوحش المذعورة والخائفة ، تجري هاربة من الأسد الذي يطاردها ، وهي صورة مجسّمة لحالة النفوس الخائفة والمضطربة ، والتي فقدت السيطرة على أعصابها فولّت هاربة في كل ناحية . يقول الزمخشري : « وفي تشبيههم بالحمر مذمّة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بيّن ، كما في قوله
هامش
( 28 ) الكشاف : 4 / 148 .