تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
كذلك تجسّم الصورة مشاعر الخوف في نفوس المسلمين حين كانوا قلّة مضطهدة وذلك في قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ
الأنفال : 26 . فالحالة النفسية للمؤمنين ، تجسّم في صورة الأيدي الممتدة إليهم لتخطفهم ، وهم في حالة خوف وترقب وحذر . وهذه الصورة المجسّمة لحالة النفوس ، كرّرت في القرآن الكريم يقول الله تعالى :
إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
القصص : 57 . وقد تلجأ الصورة إلى تجسيم الخوف في هيئة الترقب والانتظار كقوله تعالى :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
القصص : 18 ، وهذه الصورة توحي بالقلق والاضطراب ، وتوقع الشرّ في كلّ لحظة ، وهي ترسم حركة وهيئة الخائف المترقب في لفظ واحد « يترقب » . وصورة يعقوب المفجوع بولديه ، تجسّم حالته النفسية ، وما فيها من حزن ، وهمّ وألم في صورة بياض عينيه الحسية . يقول تعالى :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
يوسف : 84 . والصورة توضح منتهى الحزن والألم النفسي ، وقد ارتسم هذا الحزن الداخلي في صورة عينيه ، ولكنه على الرغم من ظهور حزنه في عينيه ، كان يكظم حزنه ، ويخفي ألمه وصورة أم موسى النفسية بعد أن سمعت وقوع ولدها بيد فرعون ، تختلف عن الصور النفسية المتقدمة وذلك في قوله تعالى :
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها
القصص : 10 . وهذه الصورة لفراغ القلب من كل صبر ووعي وإدراك ، وكل المعاني الأخرى ، التي تصيب الأم الوالهة ، في ظروف مشابهة للظرف الذي مرت به أم موسى ، تعبّر عنه صورة « فراغ القلب » الموحية بالجزع الشديد ، الذي يطير له القلب ، ويفرّغ من أي محتوى آخر . وهكذا تتواصل الصور في القرآن للتعبير عن الخوف في داخل النفوس ، ولكنها لا تتماثل ، فكل صورة تتميّز عن الأخرى ، حسب السياق الواردة ، فيه ، وحسب الأشخاص والحالات والمواقف ، كما أنها تتميّز بالإيحاءات المنبعثة منها ، والملائكة لها وللسياق معا . فخوف المشركين يجسّم في حركة حمر الوحش المذعورة للإيحاء بالتحقير ، وخوف المؤمنين حين كانوا قلّة يجسّم في حركة الأيدي الممتدة إليهم ، لتخطفهم ، للإيحاء بالقلة