قواعد العقيدة الدينية ، وأصولها العامة . فتعبر الصورة عن الأرض الجرداء بلفظ « الميتة » وإنبات الزرع فيها ب « الإحياء » يقول الله تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
الحديد : 17 ، وقوله :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
البقرة : 164 ، وقوله سبحانه أيضا :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
العنكبوت : 63 ، وغير ذلك من الآيات الواردة كثيرا في الأسلوب القرآني .
ويبدو أن تكرار هذه الصور الحسية ، والإلحاح عليها في التعبير القرآني ، يهدف إلى التركيز على فكرة إحياء الموتى ، وتقريب صورة البعث من القبور إلى الأذهان ، وقد ورد هذا الغرض صريحا في قوله تعالى :
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
ق : 11 .
وصورة الأرض الميتة ، تقابل صورة الموتى في القبور ، فكما أن الله يحيي الأرض بعد موتها ، فتنبت الزروع والثمار ، كذلك يخرج أجساد الموتى من الأجداث ، وهكذا تتّضح حقيقة الحياة بعد الموت ، من خلال هذا التصوير الحسي المدرك . وتصوير خلق البشر بالنبات ، يرتبط أيضا بهذه الحقيقة الكونية وهي أن الله يحيي ويميت ، والحياة والموت في الزروع والنبات ، كما في المخلوقات أيضا . قال تعالى :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
نوح : 17 . يقول الصابوني في تفسيره : « والمعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات ، وسلّكم من تراب الأرض ، كما يسلّ النبات منها ، قال المفسرون : لما كان إخراجهم وإنشاؤهم إنما يتمّ بتناول عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض ، كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض ، فلذا سمّى خلقهم ، وإنشاءهم إنباتا . . . » « 25 » .
فالصورة توحي بالعلاقة بين إنبات النبات ، وإنشاء البشر ، فكما أن النبات ، يبدأ من العدم بذرة ثم ينمو ويكبر ، ويثمر ثم يزول ويهلك ، كذلك أطوار الإنسان ، شبيهة بمراحل النبات ، لذا تبدو صورة إحياء الموتى وبعثهم من القبور ، صورة غير مستغربة ، لأنها تعدّ صورة ممتدة ، أو متواصلة مع صورة إحياء الأرض الميتة .
كذلك نجد تصوير النوم بالوفاة ، والاستيقاظ منه ، ب « البعث » للإلحاح على هذه المعاني الدينية التي تشكّل أصول العقيدة ، لتقريبها من الأذهان ، من خلال هذه الصورة اليومية الملموسة . قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ
هامش
( 25 ) صفوة التفاسير : 3 / 453 .