تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
والمعنى الذهني هنا هو الخروج للجهاد ، ينقل في صورة حسية « ضربتم » ، وهذه الصورة مرتبطة بالمعنى ، لأن الجهاد فيه ضرب وطعن ، كما أنها متناسقة مع سياق قتال الأعداء ، وجوّ المعارك . ولكنّ هذه الصورة ، ترد في سياق آخر ، لتدلّ على السعي والحركة كقوله تعالى :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
النساء : 101 . وقد تدلّ أيضا على الإحاطة والشمول كقوله تعالى :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
البقرة : 61 ، فكأن الذلّة والمسكنة هنا قبة مضروبة فوقهم ، تحيط بهم ، وتشملهم من جميع النواحي . وقد تعبّر هذه الصورة عن النوم أيضا وذلك في قوله تعالى :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
الكهف : 11 ، فهي هنا توحي بثقل النوم وشدّته ، حتى إن النائم منهم لا يسمع صوتا ولا حركة ، وكأنه قد ضرب على سمعه بحجاب فلا يسمع بعد ذلك « 24 » . وتتواصل هذه الصورة مع صورة الربط على القلوب ، للإيحاء بالقوة والشدة في المعاني الذهنية المصوّرة كقوله تعالى :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الكهف : 14 . وهذه الصورة الحسية تثير في الذهن صورة الأوعية المشدودة بإحكام ، للإيحاء بقوة القلوب ، وشدّها ، حتى تتحمّل أعباء الدعوة ، والربط فيه قوة وشدة ، وهو ملائم للسياق الذي يتحدث عن الجهر بالدعوة وتحمّل مشاقّها . وتتكرّر هذه الصورة الحسية أيضا ، في تصوير قلب أم موسى ، والربط عليه . وذلك في قوله تعالى :
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
القصص : 10 ، والمعنى الذهني هنا هو أنها كادت تفقد صبرها ، وينفلت تماسكها ، ولكن الله قوّاها ، وصبّرها ، وقد عبّرت الصورة عن هذا المعنى بالربط على قلبها ، وكأن قلبها قد انفلت كما ينفلت الشيء من عقدته ، ثم جاء الربط ليقوي من قلبها ويعيد لها قوتها وتحمّلها . مثل الرباط الذي يمنع الشيء من الانفلات وإخراج ما فيه . ومن هذا أيضا قوله تعالى في موضع آخر :
وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
الأنفال : 11 ، وقد تتجاوز الصورة نقل المعنى الذهني في إيحاءاتها ، لتقوم بترسيخ
هامش
( 24 ) الكشاف : 2 / 473 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 143 | عبد السلام احمد الراغب