تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ويلاحظ أن هذه الصورة تنقل لنا دقائق نفوسهم وما فيها من مشاعر وأحاسيس ، إذ تجعل عبادة العجل مشروبا لذيذا ، أشربوه بفعل فاعل دفعة واحدة ، وأشربوه في القلوب دون غيرها لأنها موضع العواطف والحب . وهناك صور أخرى قريبة ، من هذه الصور ، في المبالغة والغرابة في التعبير عن المعاني الذهنية . كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
الأعراف : 40 المعنى الذهني هنا هو استحالة دخول الكافرين الجنة ، ولكن هذا المعنى ، لا يعرض عرضا مباشرا ، وإنما تنقله لنا الصورة الفنية بتركيب فني يثير الغرابة والدهشة وهي استحالة دخول الجمل بضخامته في ثقب الإبرة ، مهما حاول من جهد ، وكرّر المحاولة ، وهذه الصورة الغريبة في تشكيلها ملائمة تماما ، لاستحالة دخول الكافرين الجنة ، مهما حاولوا فهي محاولات يائسة كمحاولة الجمل اليائسة في ولوج سمّ الخياط ، وتتفاعل هذه الصورة مع الصورة قبلها « لا تفتح لهم أبواب السماء » في السياق ، للإيحاء بالرفض والاستحالة رفض قبول الكافرين ، واستحالة دخولهم الجنة ، وتترك الصورتان معنى الرفض ومعنى الاستحالة ، ليستقرا في النهاية في أعماق النفس المتفاعلة مع التصوير الحسّي للمعنى في داخل السياق ضمن نظام العلاقة بين الصورتين في نقل المعنى الذهني . ومن ذلك أيضا قوله تعالى في التنفير من الغيبة :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
الحجرات : 12 . فصورة أكل لحم الميت صورة غريبة مستكرهة ، تتأذى منها النفوس ، وتنفر من بشاعتها ، ولكنّ الغرابة في الصورة مقصودة هنا ، لنقل المعنى الذهني المستغرب ، وهي ملائمة له ، فالإنسان يغتاب أخاه ، وهو غائب ، والصورة ترمز لذلك بتناول لحم أخيه وهو ميت لا يشعر بما يقوله عنه . وتمثّل الغرابة في الصورة ، الغرابة في المعنى الذهني ، والمبالغة في التصوير تهدف إلى التنفير من هذه العادة البشعة ، فالترابط بين التصوير والمعنى قوي بارز ، فكما أن النفوس تتأذى بالغيبة كذلك تغرس الصورة في النفوس مشاعر النفور والكراهية من هذه الصفة الذميمة في الإنسان .