تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وقد تبعد الصورة في نقل المعنى ، إلى جعل الممتنع محالا ، على سبيل التخييل . كقوله تعالى :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
المجادلة : 22 . يقول الزمخشري في توضيح هذه الصورة : « لا تجد قوما من باب التخييل ، خيّل أن من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين ، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال ، مبالغة في النهي عنه ، والزجر عن ملابسته ، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم » « 23 » . ويكثر في القرآن الكريم تصوير الحقّ بالقذيفة كقوله تعالى :
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
سبأ : 48 ، فالحق وهو شيء معنوي يصوّر بجسم مادي محسوس ، على طريقة القرآن في تجسيم المعنويات ، والله هو الذي يطلق هذه القذيفة ، وهي قذيفة ، تعرف طريقها ومسارها ، فلا يقوى أحد على إيقافها أو منعها ، فهي واضحة قوية ، تصيب هدفها ، لأن مطلقها هو « علّام الغيوب » . وصورة القذيفة ترد في القرآن في مواضع عدّة ، للدلالة على القوة والشدة في تصوير المعاني ومن ذلك قوله تعالى :
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
الأحزاب : 26 ، وقوله أيضا :
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها
طه : 87 ، وقوله أيضا :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
الأنبياء : 18 . وقريب من هذه الصورة في القوة والشدة ، تجسيم المعنويات بصور مادية شديدة . كقوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
المائدة : 64 ، وهنا نلاحظ تصوير العداوة والبغضاء وكأنهما مادتان ثقيلتان يلقى بهما ، فيحس المتلقي بثقلهما وشدة إلقائهما . ومن ذلك أيضا قول الله سبحانه وتعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
التوبة : 26 . فالسكينة هنا مادة محسوسة ، لها أثرها الملموس ، في قلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وفي نفوس المؤمنين . وصورة « الضرب » الحسية تتكرّر أيضا في الأسلوب القرآني للدلالة على قوة المعاني الذهنية وشدّتها كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا . . .
النساء : 94 .
هامش
( 23 ) الكشاف : 4 / 78 .