تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فهذه الصورة تعبّر عن هدوء موسى بعد ثورة الغضب ، ولكنّ تصوير المعنى بالسكوت ، له مغزاه ، وإيحاؤه . فالتصوير لا ينقل المعنى فحسب ، وإنما يرصد أيضا ما يصاحب الغضب من حركات وأصوات . ومن ذلك أيضا قوله تعالى في تصوير الروع يذهب ويجيء :
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
هود : 74 . فالصورة هنا تجعل الروع حيا شاخصا ، يذهب ويجيء ، وكذلك البشرى ، كما كان هناك الغضب يصرخ ويسكت ، ويثور ويسكن . إنها صور حية شاخصة ، تتحوّل فيها المعاني إلى أشخاص يثورون ويغضبون ، ويهدءون ، ويذهبون ، ويروحون ، علي طريقة القرآن الكريم في إحياء المعاني في الذهن والخيال ، ليتفاعل الإنسان معها على أنها أشخاص حيّة ، وليست معاني ذهنية مجردة . وقد تقترن مع التصوير للمعاني الحركة واللون أيضا كقوله تعالى :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
مريم : 4 ، فالمعنى المراد ، أنه كبر في السن وشاب ، لكن المعنى الذهني يعرض في صورة حسية موحية ومؤثرة ، فيها حركة الشيب في الرأس ، مصوّرة من خلال حركة اشتعال النار ، وهي حركة بطيئة متدرّجة ، حتى تعمّ الرأس كلّه ، كما تعمّ النار الأشياء المشتعلة ، وفيها اللون أيضا ، فلمعان الشيب يشبه لمعان النيران ، فهذه الصورة الحسية ، ترسم دقائق المعنى وتفاصيله في لونه وحركته وشموله للرأس كله . وتكثر الصور الحسية المستمدة من الأوزان والأحجام والأثقال لتجسيم المعاني الذهنية ، لأنها صور مألوفة لها وقعها في النفس حين توضع في أنساق تقتضيها . كقوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
المزمّل : 5 ، فثقل القول صورة مجسّمة تحيل المعنى الذهني إلى شيء محسوس ، ليصبح التكليف المعنوي ، ثقيلا ملموسا . كذلك يعبّر عن يوم القيامة وهو زمن معنوي بصورة حسية ذات وزن وثقل يقول تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
الإنسان : 27 ، وهذه الصورة تعبّر عن شدّة ذلك اليوم ، وثقله على النفوس ، فهو ليس يوما عاديا وإنما هو يوم موزون بالأثقال لشدته وأهواله . وتتواصل هذه الصورة في السياق القرآني ، بصيغ مختلفة ، للتعبير عن المعاني الذهنية المتعددة . كقوله تعالى :
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ