تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
يتابع الحركة المصوّرة للأعمال في حركة القدوم ، وحركة النثر معا ، ويتابع أجزاء الأعمال بعد أن صارت هباء منثورا موزّعا في كل اتجاه ومكان ، حتى لم يبق منها شيء ، وكذلك أعمال الكافرين ، لا قيمة لها عند الله ، كما توحي بذلك الصورة المجسّمة . وتصور أعمال الكافرين الحسنة كائنات حية شاردة عن أصحابها ، وعاقبة الشرود الضياع ، فلا يستفيدون منها شيئا
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
محمد : 1 ، وأعمال الإنسان عموما . تعرض كأنها أشياء مادية محسوسة ، فمرة تصوّر بكائنات بشرية تحضر الحساب مع أصحابها على طريقة « التشخيص » كقوله تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
آل عمران : 30 . ومرة تصوّر حاضرة للحساب على طريقة « التجسيم » كقوله تعالى :
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
الكهف : 49 ، وأحيانا تصوّر الأعمال ودائع عند الله تسلّم لأصحابها يوم القيامة كقوله تعالى :
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
البقرة : 110 . والكافرون ، لا يستفيدون من أعمالهم التي عملوها في طريق الخير ، لأنها لم تعتمد على الإيمان ، والإيمان كان بين أيديهم ، ولكن الحواجز المعنوية حجبتهم عنه ، وقد عبّرت الصورة عن هذه الحواجز التي منعتهم من الإيمان ، وذلك في قوله تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
البقرة : 88 . وصورة القلوب « غلف » توحي بسماكة الأغطية التي غطت قلوبهم ، فأحكمت سدّها حتى لم يبق هناك منافذ للمعرفة والإدراك ، لكي تستجيب لداعي الإيمان . وأحيانا تصوّر القلوب بالأبواب المقفلة بالأقفال لإحكام سدّها حتى لا تنفذ الدعوة إليها يقول تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
محمد : 24 . وأحيانا يعبّر عن إعراضهم عن الإيمان بصور أخرى ، تدلّ على تعطيلهم حواسهم التي هي منافذ الإدراك . يقول تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ
فصلت : 5 . فصورة الأغطية على القلوب ، والصمم في الآذان ، والحجاب على العيون ، كلها حواجز مادية تمنع من الفهم والإدراك والمعرفة ، والاستجابة لدعوة الإيمان . وبعد تعطيلهم حواسهم ، أصبحوا هم والأنعام سواء ، في عدم الوعي والإدراك ، بل إنهم