ثم لمّا تمّت الصحف أخذها أبو بكر عنده إلى أن حضره مرض الموت فسلّمها إلى الفاروق رضي اللّه عنه ، فلم تزل عنده إلى أن مات ، فأخذتها أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما ، فلم تزل عندها إلى أن وقعت غزوة أرمينية في خلافة عثمان رضي اللّه عنه سنة 30 ه ، فاختلف الناس في القرآن اختلافا كثيرا ، وهمّوا أن يقتتلوا بسبب ذلك ، فجاء حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه إلى عثمان بن عفان وقال : يا أمير المؤمنين أدرك القرآن لئلّا يختلف الناس فيه اختلافا شديدا كاليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ؛ فقد وقعوا بسبب ذلك الاختلاف في أمر عظيم ؛ فاكتبه في مصحف ترجع الناس إليه .
ففزع عثمان لذلك ، وجمع الصحابة رضي اللّه عنهم ، وكانت عدّتهم يومئذ اثني عشر ألفا ، وأخبرهم الخبر ، فأعظموه جميعا ، ورأوا ما رأى حذيفة ، فأرسل عثمان إلى حفصة أمّ المؤمنين أن أرسلي إليّ الصحف ننسخها ونردّها إليك ، فبعثت بها إليه .
وأحضر زيد بن ثابت ومعه جماعة من قريش ، وأمرهم أن ينسخوها في المصاحف ، وجعل الرئيس عليهم زيد بن ثابت لعدالته وحسن سيرته ولكونه كان كاتب الوحي بين يدي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد قرأ القرآن على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعد العرضة الأخيرة - وهي حاكمة على المتقدمات - وكان يقرئ الناس بها ، ولذلك اعتمده الصدّيق رضي اللّه عنه في جمعه للقرآن على ما تقدّم ، فنسخوها رضي اللّه عنهم في الورق ، ولم يغيّروا ، ولم يبدّلوا ، ولم يقدّموا ، ولم يؤخّروا ، بل كتبوه على الترتيب كما في اللوح المحفوظ باتفاق منهم بتوقيف جبريل عليه السلام للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم على ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية بموضعها ، وأين تكتب . ولم يختلفوا إلا في لفظ
التَّابُوتُ
[ البقرة : الآية 248 ] فقال بعضهم : يكتب بالتاء المجرورة « كالطاغوت » ، وخالف بعضهم وقال : يكتب بالهاء المربوطة « كالتوراة » ، فراجعوا عثمان في ذلك ، فقال : « اكتبوه بالتاء المجرورة فإنها لغة قريش » فكتبوا كما أمرهم به . فلما تمت الكتابة قال عثمان رضي اللّه عنه : التمسوا له اسما . فقال قوم : الكتاب ، وقال آخرون : السّفر ، وقال آخرون : « المصحف » ؛ وهو اسم أعجمي ذكره ابن السكيت في إصلاح المنطق ومعناه جامع الصّحف .
ثم ردّ عثمان الصحف إلى حفصة رضي اللّه عنها ، وأرسل إلى كل مصر بمصحف مما نسخوا ، وأمرهم أن يحرقوا كلّ مصحف يخالف الذي أرسل إليهم به .
قال القسطلاني : أوّل باب : جمع القرآن في الصّحف ، ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما ترك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جمع القرآن في مصحف واحد لعدم وجود الورق ، ولأن النّسخ كان يرد على بعضه ، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدّى إلى