وفي إرشاد القرّاء والكاتبين : أن زيدا كتب القرآن كلّه بجميع أحرفه وأوجهه المعبّر عنها بالأحرف السبعة الواردة في الحديث الشريف في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه » قاله لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لمّا جاءه بهشام بن حكيم وقد لبّبه بردائه - أي جعله في عنقه وجرّه منه - لمّا سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وكان أوّلا أتاه جبريل فقال : إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على حرف واحد ، فقال : « أسأل اللّه معافاته ومعونته ؛ وإن أمّتي لا تطيق ذلك » ، ثم أتاه الثانية بقراءته على حرفين ، فقال له مثل ذلك ، ثم أتاه الثالثة بثلاثة ، فقال مثل ذلك ، ثم أتاه الرابعة فقال : « إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ؛ فأيّما حرف قرءوا عليه أصابوا » .
واختلفت أقوال العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو من أربعين قولا ، واضطربوا في ذلك اضطرابا كثيرا حتى أفرده بعضهم بالتأليف ، مع إجماعهم على أنه ليس المراد أنّ كلّ كلمة تقرأ على سبعة أوجه ؛ إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات يسيرة نحو
أَرْجِهْ
[ الأعراف : الآية 111 ، وغيرها ] و
وَجِبْرِيلَ
[ البقرة : الآية 98 ، وغيرها ] ، وعلى أنه ليس المراد القرّاء السبعة المشهورين .
فذهب بعضهم وصحّحه البيهقي ، واقتصر عليه في القاموس إلى أنها لغات .
واختلفوا في تعيينها ؛ فقال أبو عبيدة : قريش ، وهذيل ، وثقيف ، وهوازن ، وكنانة ، وتميم ، واليمن ، وقيل غير ذلك . وقال المحقق ابن الجزري : ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكّر فيه وأمعن النظر من نحو نيف وثلاثين سنة حتى فتح اللّه عليّ بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء اللّه تعالى ؛ وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذّها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها ؛ وذلك إما في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة نحو ( البخل ) باثنين ، و
يَحْسَبُ
[ الهمزة : الآية 3 ] بوجهين ، أو بتغيير في المعنى فقط نحو
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
[ البقرة : الآية 37 ] ، وإما في الحروف بتغير في المعنى لا في الصورة نحو
تَبْلُوا
[ يونس : الآية 30 ] و
تَتْلُوا
[ البقرة : الآية 102 ] ، وعكس ذلك نحو
بَسْطَةً
[ البقرة : الآية 247 ] و
بَصْطَةً
، أو بتغيرهما نحو
أَشَدَّ مِنْكُمْ
[ التّوبة : الآية 69 ] و
مِنْهُمْ
[ البقرة : الآية 75 ] ، وإما في التقديم والتأخير نحو
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
[ التّوبة : الآية 111 ] ، أو في الزيادة والنقصان نحو
وَوَصَّى
[ البقرة : الآية 132 ] ؛ و ( أوصى ) فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها » .