وقد اهتمّ القرآن بموضوع أو مبدأ السببيّة : قال تعالى :
. . . لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا
.
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . . .
.
ونظرة دقيقة في طرح القرآن لهذا المبدإ سوف تكتشف انه مندرج في السببية القانونية - أي هو جزء من البناء القانوني بل لا أبالغ إذا قلت إن طابع القانون امتصّ مبدأ السببيّة في سيطرته على الطبيعة والحياة والتاريخ ، فنحن عندما نطالع السفر الكوني أو التاريخي - مثلا - نصادف صيغة قانونيّة يمكن وضعها ورصدها وحسابها - أي يتجاوز مبدأ السببيّة البسيطة
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
،
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً . . .
،
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
.
هذه الصياغات ليست علامة سببيّة أو تعاصر علّة ومعلول ، وانما هي صياغة قانونية تنظم العلاقات بين الأشياء في حركتها وتفاعلها . وكما قلنا إن للسببيّة موقعها في تفسير الكون وتشكيل الحصيلة العلمية للإنسان ، ولكن السببيّة مندمجة أو منصهرة في إطار التفسير القانوني للوجود . . . هذا التفسير أوسع وأعمق من التفسير السببي الذي يتخذ طابع الصرامة الساذجة ، ويفرض نظرة آحادية مستقيمة ذات اتجاه طولي صرف ! ! ان التفسير القانوني يقرّب إلى الأذهان وحدة الكون وترابطه المنبسط من جميع الجهات وعلى كل الأصعدة ، واعتقد أن الانغماس المفرط في تحليل وفهم مبدأ العليّة يصرف العقل عن اكتشاف القانون العلي الكوني . ان التفسير القانوني يمكن تحويله إلى صياغة رمزيّة محسوبة رياضيا ، بل في هذه المرحلة يكون العلم قد وصل الذروة .