تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات معاصرة في القرآن الكريم — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
يتمتعون به من اللهو واللعب والعربدة في الاجتماع عليهما . إلا أن اللّه عز وجل عقب على ذلك بقوله تعالى فرقانا بين الآمرين « وإثمهما أكبر من نفعهما » إذن : ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من النفع ، وعبر تعالى بأكبر دون أكثر مع العلم أن الكبر يستعمل في قياس الاحجام ، كما أن الكثرة تستعمل في المعدودات ، فإن الملحظ غير هذا باعتبارهما وصفين يتعلقان بالقياس النظري أو التطبيقي « فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيرا بالنسبة إلى آخر أصغر منه ، وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه ، ولولا المقايسة والإضافة لم يكن كبر ولا صغر ، كما لا يكون كثرة ولا قلة ، ويشبه أن يكون أول ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات المتصلة وهي جسمانية ، ثم انتقلوا من الصور إلى المعاني ، فاطّردوا معنى الكبر والصّغر فيها » « 1 » . وهذا النفع المتصور ينحصر بالمضاربات المالية وما يترتب عليها في البيع والشراء ، وما يصاحب ذلك من العبث واللهو والاسراف في كل من الخمر والميسر ، وكل أولئك منافع على سبيل الحياة الدنيا فهي من المعاني الاعتبارية الزائلة ؛ ولكن الاثم بهما مما يوجب الغضب المطبق في الآخرة ، ويستنزل سخط الباري ، وهذا مما لا يقوم له شيء ، فالإثم إذن أكبر من النفع . قال الطبرسي ( ت : 548 ه ) وفي الآية تحريم الخمر من وجهين : ( أحدهما ) قوله : « وإثمهما أكبر » فإنه إذا زارت مضرة الشيء على منفعته اقتضى العقل الامتناع عنه . ( الثاني ) أنه بيّن أن فيهما الاثم ، وقد حرم في الآية أخرى الإثم فقال :
إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
« 2 » انتهى كلام الطبرسي أعلى اللّه مقامه « 3 » .
هامش
( 1 ) محمد حسين الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 2 / 196 . ( 2 ) الأعراف : 33 . ( 3 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 316 .