ءاتاني الكتاب ، وجعلني نبيا . . . إلى آخر ما قال ، فأسقط بأيديهم ، وأخذتهم الدهشة ، وانحلّ كل إغلاق وإبهام ، فآمن من آمن عن دليل ، وأشرك من قال إنه ابن اللّه .
هذا النحو من الايجاد هو الخلق الاعجازي دون مثال أو سبيل طبيعي ، والخلق الاعجازي الآخر هو الخلق الفطري في التناسل البشري الذي أصبح فيما بعد طبيعيا ، وإن كان في أصل الايجاد إعجازيا ، لأنه عاد متعارفا عن طريق التناسل ، أما حقيقة هذا التناسل وكيفيته ، وجعل الإرادة التكوينية متعلقة بها ، فهو مما لا تصل إليه يد الطبيعة ، وإنما هو من صنع أحسن الخالقين ، وقد أشار اللّه تعالى إلى الخلقين معا بقوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 11 )
« 1 » .
هذه العوالم الهائلة كلها يسيرة عند اللّه ، فهو الخالق من التراب ، وهو الخالق من النطفة ، وهو جاعل الزوجية ، وهو العالم بما تحمل كل أنثى ، وما تضع ، يضاف إلى هذا كله إحصاء هذه العوالم في كتاب مبين :
المعمر وغير المعمر ، وما فوقهما وما دونهما ، ولكن الإنسان يطغى :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 )
« 2 » .
فكيف بدأ هذا الخلق على النحو الطبيعي كما هي الحال اليوم ، وإلى انقضاء أجل الدنيا ، وقيام الساعة ، هذا ما يجيب عليه القرآن الكريم مستدلا فيه على البعث والنشور ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
« 3 » .
هامش
( 1 ) فاطر : 11 .
( 2 ) ياسين : 78 - 79 .
( 3 ) الحج : 5 .