قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
« 1 » . فأجاب إبليس بصيغة واحدة ، وأخرى ، أما الصيغة الواحدة :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
« 1 » ، والصيغة الأخرى في سورة أخرى ، فيما حكاه تعالى عنه :
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ 33
« 3 » .
والتعليل في الإجابة واحد أن اللّه خلق آدم من عنصر الطين ، وهو من عنصر النار ، والنار في زعمه أشرف عنصرا من الطين .
وهنا يتضح أن اللّه تعالت قدرته قد خلق آدم من طين ، كما نصّ عليه :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 )
« 4 » .
وفي هذا الضوء نجد خلق عيسى بن مريم عليه في كيفية خرق بها اللّه النواميس الطبيعية للكون ، فكان عيسى عليه السّلام كمثل آدم كما قال :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 )
« 5 » .
وهذا الخلق الاعجازي العظيم هزّ العالمين في الحديث عن قدرة اللّه تعالى ، وقد تحدث القرآن عن بداية هذا الخلق وإرهاصات تكوينه الإبداعي ، ببيان ظروفه كافة ، وشرح أبعاده ، فقال تعالى :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 )
« 6 » .
وهنا الإرهاص التوقعي أن مريم عليها السّلام ستلد غلاما زكيا ، بعد أن انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، واتخذت لها من دونهم سترا وحجابا ، فأرسل اللّه الروح الأمين جبرئيل عليه السّلام متمثلا بشرا سويا متكاملا ، فاستعاذت به من اللّه تعالى إن كان تقيا ، فأخبرها بأنه رسول اللّه ليهب لها هذا
هامش
( 1 ) الأعراف : 12 .
( 3 ) الحجر : 33 .
( 4 ) ص : 71 .
( 5 ) آل عمران : 59 .
( 6 ) مريم : 16 - 20 .