تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات معاصرة في القرآن الكريم — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
الغلام ، فأنكرت ذلك لأنها لم يمسسها بشر ولم تك بغيّا ، وهنا يتجلى البعد الاعجازي الجديد ، في بيان هوان الأمر على اللّه ، وفي جعله آية للعالمين :
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا ( 23 ) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 )
« 1 » فالأمر هين على اللّه ليجعل عيسى آية للناس ورحمة ، وكان ذلك أمرا إلهيا تكوينيا ، فحملته وابتعدت به ، فأجاءها المخاض مباشرة إلى جذع النخلة ، وتحسست بفداحة ما حملت به ، فتمنت الموت فناداها الملك أو عيسى ألا تحزني ، وتحدث إليها ، وأمرها بهز الجذع فتساقط الرطب ، وأمرت بالأكل والشرب وقرة العين ، وأن تقول لمن تراه من الناس أني نذرت للّه صوم الصمت ، وانتهى هذا الفصل ، وقد ولد عيسى دون أب ، وكان حقيقة واقعة لا تجحد ، وتختتم القصة بمثولها أمام قومها ، ليتجلى المحور الإعجازي لهم ، ويخشعوا صامتين ، وهكذا كان ، قال تعالى :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 )
« 2 » . ويستخلص من هذا أن مريم حينما جاءت به قومها ، جوبهت مباشرة بالاستنكار الشديد ، وهذا ديدن الناس في استعجال الأمر وقالة السوء ، وقلق الوضين ، فأشارت إليه بحرارة وعزم وإصرار ، فاستغربوا إشارتها وعجبوا لها ، وصرخوا بفظاعة تكليم الطفل في مهده ، وهنا تبدو الآية الإلهية الناطقة ، لتحسم الأمر في حركة إرادية غير متوقعة وليست بالحسبان ، قال إني عبد اللّه ،
هامش
( 1 ) مريم : 21 - 26 . ( 2 ) مريم : 27 - 33 .