حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملا كثيرا في كل منحنياتها ، وتستدعي انتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها ، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الآلهي ، قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا 70
« 1 » . والعلة في هذا التكريم اعتباره الخلق الأول في حياة الأرض ، كما هو ظاهر القرآن ، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب ، والحسن بالتقويم ، والابداع في التصوير .
هذا الخلق الجديد ذو طابعين : طابع إعجازي لا عن مثيل ، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذكّر بالبيضة المخصبة الأنثوية ، لينتج ذلك كائنا ناطقا عاقلا مفكرا من جماد ، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير ، وهذا ما جلب انتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال :
والذي حارث البرية فيه * حيوان مستحدث من جماد « 2 »
ولكل من هذين الملحظين المهمين في التكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء ، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة .
وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه اللّه تعالى في كتابه :
هامش
( 1 ) الأسراء : 70 .
( 2 ) طه حسين ، تجديد ذكرى أبي العلاء : 170 .