تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
ما يتفق مع مدركات هذه العقول ، ثم يدع لرقيها الفكري الكشف عما سوى ذلك بحسب قوانين النمو والارتقاء . وذلك من أدب الاسلام في التعليم ومن سننه في إرشاد الناس إلى حقائق المعارف . روى البخاري في صحيحه عن علي كرم اللّه وجهه : « حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب اللّه ورسوله » « 1 » . وروى مسلم عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : « ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة » « 2 » . ومن هنا نستطيع أن نفهم السر في إجابة القرآن الكريم للسائلين عن أوجه القمر بصرفهم عن السؤال ولفت أنظارهم إلى فوائد ذلك ومزاياه
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] . ( ومنها ) : أن القرآن الكريم لو عرض لبيان هذه الشؤون كلها ، واستوعب حقائقها وتفصيلاتها لصعب على الناس حفظه ، ولمضت الأزمان الطويلة دون استيعابه نزولا أو معرفة ، ولنسى الناس هديه وإرشاده ، فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا . ولقد يسره اللّه تعالى وسهله ليكون ذلك أدعى إلى تذكره وأقرب للوصول إلى مقاصده والعمل بما فيه
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
[ القمر : 17 ] . تلك هي بعض الحكم التي من أجلها لم يتناول القرآن الكريم حقائق العلوم الكونية بالتفصيل والتوضيح ، وترك ذلك للعقل البشرى يرقى إليه ببحثه المتواصل ، ويتذوق لذة معرفته بكفاحه وجهاده ، وهناك حكم أخرى لا نطيل القول فيها ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد ، والكلام في أسرار كتاب اللّه ذو سعة . ومن ذلك نستطيع أن نقول : إن القرآن الكريم جاء بهذه الظواهر واستعرضها وعرضها على الناس في كثير من المواضع لغرض واحد : هو العبرة والعظة ، ولفت العقل والقلب إلى ما فيها من جمال وروعة ورقة وإعجاز وإبداع لا يكون إلا عن صانع حكيم متصف
هامش
( 1 ) رواه البخاري موقوفا في كتاب العلم برقم ( 127 ) . ( 2 ) رواه مسلم في المقدمة موقوفا .