له من خلقه مزاج ، ولا في فعله علاج ، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم ، إن قلت :
متى ؟ فقد سبق الوقت كونه . وإن قلت : هو . فالهاء والواو خلقه . وإن قلت : أين ؟ تقدم المكان وجوده ، معرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ، فالذي يظفر الوهم به يرتقى التصوير إليه ، لا تماقله « 1 » العيون ، ولا تقابله الظنون ، علوه من غير توقل « 2 » ، ومجيئه من غير تنقل
( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )
» .
( الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها )
يحسن قبل الكلام عن رفع السماوات وما يليه من آيات الكون في هذه الآيات البينات ، أحب أن ألفت النظر إلى أصلين مهمين :
( أولهما ) حكمة ذكر المظاهر الكونية في القرآن الكريم .
( وثانيهما ) معرفة مدى ما وصل إليه العقل الإنسانى في تعرف حقائق هذه المظاهر .
لما ذا تذكر هذه المظاهر الكونية في القرآن الكريم ؟
جاء في القرآن الكريم ذكر السماوات والأرضين والشمس والقمر والسحب والأمطار والنبات والحيوان وعجائب الخلق وغرائب المكونات في كثير من المواطن ، فهل يريد القرآن بهذا أن يتناول هذه النواحي بالتحليل العلمي ، فيوضح للقارئين ماهيتها وكنهها وعناصرها وأجزاءها ، ويبين لهم طبائعها وخواصها ، ويكشف لهم عن أسرار نواميسها ، وحقيقة قوانين سيرها ووقوفها ونموها وضعفها ؟ أم أن القرآن الكريم يعرض لكل هذه الظواهر الكونية لغرض آخر غير هذا التحليل العلمي ، ويدع هذا التحليل لوقته والظروف الملائمة له عندما تتهيأ العقول البشرية لقبوله وإدراك غوامضه وأسراره ؟
لا شك أن القرآن الكريم لم يجئ ليكون كتاب فلك ولا هيئة ولا كيمياء ولا هندسة
هامش
( 1 ) تماقله : أي تراه ، وهي من المقل : أي النظر . ومقله بعينه يمقله مقلا : نظر إليه ؛ ويقال : ما مقلته عيني منذ اليوم . وحكى اللحياني : ما مقلت عيني مثله مقلا . أي ما أبصرت ولا نظرت . انظر : لسان العرب ( 11 / 627 ) .
( 2 ) توقل : أي صعود . والواقل : هو الصاعد بين حزونة الجبال ، وكل صاعد في شئ متوقل . ومنه قول عمر :
لما كنت يوم أحد ، كنت أتوقل كما تتوقل الأروية . أي أصعد فيها كما تصعد أنثى الوعول . انظر : لسان العرب ( 11 / 733 ) .