تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
قال محمد بن كعب القرظي : لما بايعت الأنصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة بمكة ، ( وهم سبعون نفسا أو اثنان وسبعون نفسا وامرأتان ) قال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " أشترط لربى عز وجل : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا . وأشترط لنفسي : أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . " قالوا : فإذا قلنا ذلك فما لنا ؟ قال : الجنة ، قالوا : ربح البيع ، لا نقيل ولا نستقيل " « 1 » فنزلت الآية . ترى في أية طريق ولا أية غاية يقدم المؤمن نفسه للقتل ! لظلم وعدوان ! لمال وملك وجاه ! لاهتضام شعب ، واحتلال أرض ، وعبث بأمن ، وانتقام لوهم ، واعتزاز بجنس أو عصبية ! اللهم لا لشئ من ذلك يتقدم المؤمنون إلى هذه الميادين ، ولكن ليعلو الحق ، ويسود العدل ، وتخفق راية السلام ، وتكون كلمة اللّه هي العليا ، وليقولها خليفتهم داوية قوية جريئة ملء الأرض والسماء : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ؟ ! أيها المسلمون اليوم : إن نفوسكم ليست ملكا لكم ومع هذا فقد اشتراها اللّه منكم . وإن مهمتكم وإيمانكم وعزتكم لا تكمل بغير إنفاذ هذا البيع وتسليم الأمانة مهما حاولتم . وإن الأمانة ستسلم طوعا أو كرها :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ النساء : 78 ] . ولن يمنعها القعود من القتل إن كتب عليها ، ولن يحدوها الإقدام إليه إن منحها اللّه إيّاه ، ففيم القعود إذن ؟ ليت شعري أي جزاء سيقدمه ( موسولينى ) لجنود الفاشستية ؟ لعله قطعة من طرابلس المهضومة ، أو من سهول الحبشة حيث يذوق أهلها مرّ العذاب ، وينعم بعذابهم الفاتحون . وليت شعري أي جزاء سيقدّمه ( هتلر ) لجنود النازية ؟ لعله يمنيهم اليوم بالكاميرون وذهبها ، أو بإفريقية الشرقية ومطاطها وغاباتها .
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 8 / 587 ) عن الشعبي .