واتّصلت به فأكثرت من خشيته ، واتّصفت بالعبودية الصحيحة له ، والعبودية يا فتى أرقى منازل الوصول إلى اللّه ، وأقدس مراتب القرب :
لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي
وبقدر اتصافك بأوصاف عبوديتك يتفضّل عليك ربّك بفيض من كرم ربوبيته :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
[ البقرة : 186 ] .
أو لست ترى أيها العاقل أن التوبة وهي مظهر الإنصاف أنجبت حكما عادلا هو تحقق العبد بعبوديته .
( الْحامِدُونَ )
ووصول العبد إلى هذه المنزلة يشعره بعظيم فضل اللّه عليه وكبير نعمائه لديه ، فيلهج بالحمد ، ويكثر من الثناء ، ومن أولى بهذين الأمرين من ولى النعمة .
( السَّائِحُونَ )
فإذا حملت هذا الوصف على الصيام فهو تجرّد عن المادة لعذوبة متعة الروح ، وإذا حملت على السياحة فهو تفكر في مظاهر الكون أنتجه الشعور بجمال المكوّن وعظيم نعمته ، وكلاهما - كما ترى - حمد عميق وشكر فائق ، ونعمة اللّه بعد ذلك أجزل ، وهل هذان إلا من نعمه ؟
( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ )
والركوع مظهر التعظيم ، والسجود أقرب القرب ، فإذا رقت الروح بالصوم ، أو رقّت بالفكر فقد أعظمت ما وصلت إليه ، فعبرت عن علمها هذا الجديد وشعورها الفائض بالصلاة ، ولأمر ما كانت الصلاة قرة عين سيد الشاكرين صلى اللّه عليه وسلم .
( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ )
وإذا وصلت النفس إلى هذا الشعور الجميل ، وأنست بذلك المقام السامي أرادت أن تشرك غيرها في هذا الخير ، وأن تفيض على سواها من مظاهر الإمداد الروحي ، فأمرت بالمعروف وقادت الناس : أن هلموا إلى ذلك الجناب .
( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
وهي ترى أنه لا يمنع الناس أن يتوبوا ويستغفروا إلا شهوات زائفة ومعاص حقيرة فهي تنهاهم أبدا عن المنكر ، وتبيّن لهم ضرر الخطيئة لو كانوا يعقلون .
( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ )
وهي في ذلك كله في توبتها وعبادتها وحمدها وسياحتها