تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
مجازية من التكريم أو الرحمة أو نحو ذلك . وتخصيص ما ورد في هذه الكتب نحو عزير وعن المسيح من حيث وصفهما بهذه البنوة بأن المقصود به الحقيقة اللغوية أمر عجيب لا مبرّر له من هذه النصوص نفسها . ولهذا ردّ القرآن هذه الدعوى التي لم ينص عليها دليل ، وأظهر أن مصدرها ما تسرّب من أفكار الأمم السابقة ، فقد كان الهنود والفرس والصينيون والرومان وغيرهم ينسبون إلى آلهتهم الأبناء من ملوكهم أو عظمائهم . وهذه من معجزات القرآن الكريم ؛ فما كان العرب يعرفون شيئا عن معتقدات الأمم السابقة وآرائها التي كشف عنها البحث الحديث ؛ وأفاض في ذكرها والموازنة بينها علماء الغرب في هذه الأيام ، كما أنهم لم يكونوا يعرفون كذلك مبلغ مشابهتها لما يردده أهل الكتاب ، ومع هذا فإن القرآن يقول :
يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
[ التوبة : 30 ] .

ربوبية الأحبار والرهبان :

الأحبار : جمع حبر ، وهو العالم بالدين ، والرهبان : جمع راهب ، وهو المتبتل المنقطع للعبادة . والمقصود باتخاذهم أربابا : أحد أمرين - والله أعلم - : أولهما : التعظيم الزائد عن الاحترام المعتاد ، والذي يؤدى إلى اعتقاد أنهم هم مصدر نفع أو ضرر ، كما يلاحظ ذلك في غلاة التلاميذ أو المريدين بالنسبة لأشياخهم . وثانيهما : اعتقاد أنّ لهم حق التشريع والتحريم والتحليل وفق أهوائهم ، فالحلال ما أحلوه ، والحرام ما حرموه ، بغير سلطان أتاهم ، أو حجة من الله بين أيديهم ، وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين . روى الترمذي وحسّنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في السنن وغيرهم عن عدى بن حاتم رضي الله عنه قال : " أتيت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة :
( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )
فقال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرّموا عليهم شيئا حرّموه " « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 3095 ) عن عدى بن حاتم رضي الله عنه ، وقال : حديث غريب . ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ( 6 / 1784 ) الأثر رقم ( 10057 ) . وحسنه الشيخ الألبانى في " صحيح الترمذي " ( 2471 ) .