رغم ما كان فيهم من أنبياء ، وما أنزل اللّه عليهم من كتب ، ولقد عرفت عبادة البقر في معظم القارة الآسيوية ، كذلك بين الآشوريين والبابليين والإيرانيين والهنود ، ولا زالت إلى اليوم معبود الهندوس الأعظم ، وسرى إلى العرب شئ من هذه العقيدة ، فكان عنها السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي وما يتّصل بها من شعائر ، ولقد استمر ظل هذه العقائد الفاسدة ممتدّا حتى وصل إلى بعض المجتمعات الإسلامية ، وكنا نسمع إلى وقت قريب عن ( عجل السّيّد « 1 » ) ونظرائه في كثير من البلاد .
ولهذا كان من اللازم : أن تحارب هذه العقيدة ، وأن تجتثّ من أصولها ، وأن تسمّى أطول سورة في القرآن باسم الجزء الذي تعرض للبقرة منها ، وفيه الأمر بذبحها بأيدي الذين سرى إلى نفوسهم تقديسها وتكريمها من بني إسرائيل تقليدا للمصريين ، ونقلا عن شرائعهم حينذاك ، واللّه أعلم « 2 » .
استعراض عام للمقاصد الكلية في السورة الكريمة :
من الخير أن نضع بين يدي الناظرين في كتاب اللّه تبارك وتعالى هذه الصورة المجملة لمقاصد السورة المباركة بأرقام الآيات حتى تكون مفتاحا للتدبر والتفكّر حين التلاوة ، ومعوانا على الدرس والبحث فنقول : بدأت هذه المقاصد في السورة الكريمة بمقدمات عامة خلاصتها :
حكمة الاستفتاح بالحروف المفردة ، الآية : ( 1 ) ، ثم عرض الدعوة ممثلة في كتاب حق ، الآية : ( 2 ) ، ثم بيان موقف الناس منها ، وتقسيمهم إلى : مؤمنين وكافرين ومنافقين ، وصفات كل قسم وخصائصه ، الآيات : ( 2 - 20 ) ، وعموم الدعوة إلى عبادة
هامش
( 1 ) يقصد ب ( عجّل السيد ) : أي السيد أحمد البدوي ، صاحب الضريح المشهور في طنطا بمصر ، وكان الناس ينذرون عجلا يذبح للسيد البدوي ، ولا يقربونه ولا يأكلون منه ، بحجة أنه عجل منذور للسيد .
وكادت - والحمد لله - أن تنتهى هذه العادة نهائيا من مصر ، وذلك بفضل اللّه ، ثم بجهود الصحوة الإسلامية ودعاتها ، ودعوة العلماء إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك .
( 2 ) ويقول الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه اللّه في حكمة أمر اللّه لهم بذبح بقرة : " إن اللّه عز وجل أراد أن يعلم بني إسرائيل درسا في العقيدة ، فهم قد عبدوا العجل ، والبقرة أم العجل ، والوليد أضعف من الأم ، فإذا ما ذبحت الأم أمام الوليد ولم تملك أن تدفع عن نفسها ضرا ولا نفعا ، هنالك يعلم من عبدوا العجل : أنهم على ضلال " . انظر : " اليهود في القرآن " للشيخ صلاح أبو إسماعيل ص 25 بتصرف .
طبعة جمعية الشيخ عبد اللّه النوري الخيرية بالكويت . ودار الصحوة بالقاهرة .