تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
كل شئ ، فإذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله الرحمن الرحيم ، وذكّره الحمد بعظيم نعمه ، وكريم فضله ، وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعا ، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له ، ثم تذكّر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة ليس عن رغبة ولا رهبة . ولكنها عن تفضّل ورحمة فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم ، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمة بالعدل ، ويذكّر بالحساب بعد الفضل ، فهو مع رحمته السابغة المتجدّدة سيدين عباده ، ويحاسب خلقه يوم الدين
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[ الانفطار : 19 ] ، فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة ، والترهيب بالعدالة والحساب . وإذا كان الأمر كذلك : فقد أصبح العبد مكلّفا بتحرّى الخير ، والبحث عن وسائل النجاة ، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل ، ويرشده إلى الصراط المستقيم ، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه . فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه ، غير المغضوب عليهم بالسّلب بعد العطاء ، والنكوص بعد الاهتداء ، وغير الضّالين التائهين الذين يضلون عن الحق ، أو يريدون الوصول إليه ، فلا يوفقون للعثور عليه . آمين . فهل رأيت تناسبا أدق ، أو ارتباطا أوثق مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات ؟ وتذكّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ربّه في الحديث القدسي الذي أوردناه آنفا " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " وأدم هذا التدبّر والإنعام ، واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهّل وخشوع وتذلّل ، وأن تقف على رؤوس الآيات ، وتعطى التلاوة حقها من التجويد والنغمات من غير تكلّف ولا تطريب ، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية ، فإن ذلك يعين على الفهم ، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع ، وما نفع القلب شئ أفضل من تلاوة في تدبّر وخشوع .