بيانها عادة .
ومنها : أنّ اللّه قدر أن ينسخ من أحكامه ما شاء ، فكان إنزاله مفرّقا لينفصل النّاسخ من المنسوخ أولى من إنزالهما معا . وقد ضبط النّقلة ترتيب نزول السّور كما سيأتي في باب تأليف القرآن ، ولم يضبطوا من ترتيب نزول الآيات إلّا قليلا . وقد تقدّم في تفسير
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
أنّها أوّل سورة نزلت ، ومع ذلك فنزل من أوّلها أوّلا خمس آيات ، ثمّ نزل باقيها بعد ذلك ، وكذلك سورة المدّثّر الّتي نزلت بعدها ، نزل أوّلها أوّلا ثمّ نزل سائرها بعد .
وأوضح من ذلك ما أخرجه أصحاب السّنن الثّلاثة ، وصحّحه الحاكم وغيره من حديث ابن عبّاس عن عثمان ، قال : كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ينزل عليه الآيات ، فيقول : « ضعوها في السّورة الّتي يذكر فيها كذا » إلى غير ذلك ممّا سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . ( 9 : 2 - 7 )
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . . .
القيامة / 16 - 19 .
لم يختلف السّلف أنّ المخاطب بذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في شأن نزول الوحي ، كما دلّ عليه حديث الباب . وحكى الفخر الرّازيّ : أنّ القفّال جوّز أنّها نزلت في الإنسان المذكور ، قيل :
ذلك في قوله تعالى . . . [ وذكر كما تقدّم عنه ، ثمّ قال : ]
قوله :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
ذكر فيه حديث ابن عبّاس المذكور من رواية إسرافيل عن موسى بن أبي عائشة أتمّ من رواية ابن عيينة ، وقد استغربه الإسماعيليّ ، فقال : كذا أخرجه عن عبيد اللّه بن موسى ، ثمّ أخرجه هو من طريق أخرى عن عبيد اللّه المذكور ، بلفظ
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
قال : كان يحرّك به لسانه مخافة أن ينفلت عنه ، فيحتمل أن يكون ما بعد هذا من قوله :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
إلى آخره معلّقا عن ابن عبّاس بغير هذا الإسناد . وسيأتي الحديث في الباب الّذي بعده أتمّ سياقا قوله :
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ :
قال ابن عبّاس :
قَرَأْناهُ :
بيّنّاه ،
فَاتَّبِعْ :
اعمل به . هذا التّفسير رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ، أخرجه ابن أبي حاتم .
قوله : ( إذا نزل جبريل عليه ) في رواية أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة ، كما تقدّم في بدء الوحي ، كان يعالج من التّنزيل شدّة ، وهذه الجملة توطئة لبيان السّبب في النّزول ،