وكانت الشّدة تحصل له عند نزول الوحي ، لثقل القول كما تقدّم في بدء الوحي من حديث عائشة ، وتقدّم من حديثها في قصّة الإفك : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء . وفي حديثها في بدء الوحي أيضا وهو أشدّه عليّ لأنّه يقتضي الشّدّة في الحالتين المذكورتين ، لكن إحداهما أشدّ من الأخرى .
قوله : ( وكان ممّا يحرّك به لسانه وشفتيه ) اقتصر أبو عوانة على ذكر الشّفتين ، وكذلك إسرائيل ، واقتصر سفيان على ذكر اللّسان ، والجميع مراد إمّا لأنّ التّحريكين متلازمان غالبا ، أو المراد يحرّك فمه المشتمل على الشّفتين واللّسان ، لكن لمّا كان اللّسان هو الأصل في النّطق اقتصر في الآية عليه .
قوله : ( فيشتدّ عليه ) ظاهر هذا السّياق أنّ السّبب في المبادرة حصول المشقّة الّتي يجدها عند النّزول ، فكان يتعجّل بأخذه ؛ لنزول المشقّة سريعا . وبيّن في رواية إسرائيل :
أنّ ذلك كان خشية أن ينساه ؛ حيث قال : فقيل له :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
تخشى أن ينفلت .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عن الحسن ، كان يحرّك به لسانه يتذكّره ، فقيل له : إنّا سنحفظه عليك . وللطّبريّ من طريق الشّعبيّ : كان إذا نزل عليه عجل يتكلّم به من حبّه إيّاه وظاهر أنّه كان يتكلّم بما يلقي إليه منه أوّلا فأوّلا من شدّة حبّه إيّاه ، فأمر أن يتأنّى إلى أن ينقضي النّزول ولا يعدّ في تعدّد السّبب .
ووقع في رواية أبي عوانة ، قال ابن عبّاس : فأنا أحرّكهما كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يحرّكهما ، وقال سعيد : أنا أحرّكهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما . فأطلق في خبر ابن عبّاس ، وقيّد بالرّؤية في خبر سعيد ؛ لأنّ ابن عبّاس لم ير النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في تلك الحال ؛ لأنّ الظّاهر أنّ ذلك كان في مبدأ المبعث النّبويّ ، ولم يكن ابن عبّاس ولد حينئذ ولكن لا مانع أن يخبر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بذلك بعد فيراه ابن عبّاس حينئذ . وقد ورد ذلك صريحا عند أبي داود الطّيالسيّ في مسنده عند أبي عوانة بسنده بلفظ قال ابن عبّاس : فأنا أحرّك لك شفتي كما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأفادت هذه الرّواية إبراز الضّمير في رواية البخاريّ ؛ حيث قال فيها : فأنا أحرّكهما ، ولم يتقدّم للشّفتين ذكر ، فعلمنا أنّ ذلك من تصرّف الرّواة .
قوله : ( فأنزل اللّه ) أي بسبب ذلك ، واحتجّ بهذا من جوّز اجتهاد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وجوّز الفخر