مكان كلمة ( غزيرة ) ، أدق في بيان غزارته ، فهو ماء لا يقتصد في استعماله ، كما يقتصد أهل الصحراء ، بل هو ماء يستخدمونه استخدام من لا يخشى نفاده ، بل ربما أوحت تلك الكلمة بمعنى الإسراف في هذا الاستخدام .
واستخدام كلمة
يَظُنُّونَ
في الآية الكريمة :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( 46 ) ( البقرة 45 ، 46 ) .
قوية في دلالتها على مدح هؤلاء الناس ، الذين يكفى لبعث الخشوع في نفوسهم ، وأداء الصلاة ، والاتصاف بالصبر - أن يظنوا لقاء ربهم ، فكيف يكون حالهم إذا اعتقدوا ؟ .
ومن دقة أسلوب القرآن في اختيار ألفاظه ما أشار إليه الجاحظ حين قال « 1 » :
( وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها ، وغيرها أحق بذلك منها ، ألا ترى أن اللّه تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع ، إلا في موضع العقاب ، أو في موضع الفقر المدقع ، والعجز الظاهر ، والناس لا يذكرون السغب ، ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة ، وكذلك ذكر المطر ، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام ، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر ، وذكر الغيث ) .
لاختيار القرآن للكلمة الدقيقة المعبرة ، يفضل الكلمة المصورة للمعنى أكمل تصوير ، ليشعرك به أتم شعور وأقواه ، وخذ لذلك مثلا كلمة
يُسْكِنِ
في قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
( الشورى 33 ) . وكلمة
تَسَوَّرُوا
في قوله تعالى :
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ
( القصص 21 ) . وكلمة ( يطوقون ) في الآية الكريمة :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
( آل عمران 180 ) . وكلمة
يَسْفِكُ
في آية :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
( البقرة 30 ) . وكلمة ( انفجر ) في قوله تعالى :
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
( البقرة 60 ) . وكلمة
يَخِرُّونَ
في الآية :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) . وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
( 108 ) ( الإسراء 107 ، 108 ) . وكلمة
مُكِبًّا
في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( النمل 22 ) . وكلمة
تَفِيضُ
في قوله تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
( المائدة 83 ) . وكلمة
يُصَبُّ
في قوله تعالى :
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ
( الحج 19 ) . وكلمة ( يدس ) في قوله تعالى :
هامش
( 1 ) البيان والتبيين ج 1 ص 34 .