وتوحى كلمة
شَنَآنُ
في قوله سبحانه :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا
( المائدة 2 ) . توحى بهذا الجوى ، الذي يملأ الصدر ، حتى لا يطيق المرء رؤية من يبغضه ، ولا تستسيغ نفسه الاقتراب منه .
ولما سمعنا قوله تعالى لعيسى بن مريم :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
( النساء 55 ) . أوحى إلينا التعبير بالتطهير ، بما يشعر به المؤمن باللّه نحو قوم مشركين ، اضطر إلى أن يعيش بينهم ، فكأنهم يمسونه برجسهم ، وكأنه يصاب بشيء من هذا الرجس ، فيطهر منه إذا أنقذ من بينهم . وكلمة
سُكِّرَتْ
في قوله سبحانه :
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
( الحجر 14 ، 15 ) . قد عبر بها الكافرون عما يريدون أن يوهموا به ، عما حدث لأبصارهم من الزيغ ، فكانت كلمة
سُكِّرَتْ
، وهي مأخوذة من السكر دالة أشد دلالة على هذا الاضطراب في الرؤية ، ولا سيما أن هذا السكر قد أصاب العين واستقل بها ، ومعلوم أن الخلط من خصائص السكر ، فلا يتبين السكران ما أمامه ، ولا يميزه على الوجه الحق . واختار القرآن عند عد المحرمات كلمة
أُمَّهاتُ
، إذ قال :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ
( النساء 3 ) . وآثر كلمة
الْوالِداتُ
في قوله سبحانه :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
( البقرة 233 ) ، لما أن كلمة ( الأم ) تبعث في النفس إحساسا بالقداسة ، وتصور شخصا محاطا بهالة من الإجلال ، حتى لتشمئز النفس وتنفر أن يمس بما يشين هذه القداسة ، وذلك الإجلال ، وتنفر من ذلك أشد النفور ، فكانت أنسب كلمة تذكر عند ذكر المحرمات ، وكذلك تجد كل كلمة في هذه المحرمات مثيرة معنى يؤيد التحريم ، ويدفع إليه ، أما كلمة الوالدات فتوحى إلى النفس بأن من الظلم أن ينزع من الوالدة ما ولدته ، وأن يصبح فؤادها فارغا ، ومن هنا كانت كل كلمة منهما موحية في موضعها ، آخذة خير مكان تستطيع أن تحتله .
وقد تكون الكلمة في موضعها مثيرة معنى لا يراد إثارته ، فيعدل عنها إلى غيرها ، تجد ذلك في قوله سبحانه :
وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً
( الجن 3 ) .
فقد آثر كلمة
صاحِبَةً
على زوج وامرأة ، لما تثيره كلاهما من معان ، لا تثيرهما في عنف مثلهما - كلمة صاحبة .
وقد يكون الجمع بين كلمتين هو سر الإيحاء ومصدره ، كالجمع بين
النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
في قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
( البقرة 24 ) . فهذا الجمع يوحى إلى النفس بالمشاكلة