ويزيل ما اختلط بها من غموض وابهام . قد ضل منافسوه حتى ملوا مجاراته ، وهو هو لم يتورط ، أو يدركه الضلال ، غلاب شديد الغضب ، في جلبة تهد الأرض ، فلا يجرؤ أحد أن يقف أمامه خشية ورعبا . فيه فحولة ، أسعد الزمان بحياته ، ثم أسخط بموته ، وما أكثر ما تبعد بنا الأيام !
ومن الدلائل الخاصة على ذكاء أبى على نصحه لأبى القاسم عبد اللّه بن محمد بن جرو الأسدي ، وكان يلثغ بالراء غينا - فقال له الفارسي : « ضع ذبابة القلم تحت لسانك ؛ لتدفعه بها ، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ بالراء » .
ويفعل ابن جرو الأسدي ما نصح به أبو علي فيستقيم له إخراج الراء « 1 » .
قال ياقوت : ما أحسن ما تلطف أبو علي في طبه هذا ! فما الذي دله على هذه المعالجة ؟ ومن أين استنبط هذه المداواة ، وكيف احتال لهذا البرء ؟ ثم علل لذلك تعليلا يتفق مع طبيعة الراء في النطق ، وعادة الألثغ ، وأثر رفع اللسان بالقلم أو نحوه - في ذلك . ثم قال : فلو كان واصل بن عطاء الغزالي حاذقا حذق أبى على ( رحمه اللّه ) فداوى رأرأته ولثغته بهذا الدواء لأراحه من تكلفه إخراج الراء من كلامه ، حتى شاع عنه من ابدال بعض الكلم ما شاع « 2 » .
وبراعة أبى على في النكتة ، وسرعة استحضارها دليل كذلك على الذكاء : نقل صاحب أعيان الشيعة عن رياض العلماء أن جماعة وقفوا على باب أبى على فلم يفتح لهم فقال أحدهم : « أيها الشيخ ! اسمى عثمان ، وأنت تعلم أنه لا ينصرف ، فبرز غلامه وقال : إن الشيخ يقول : « إن كان نكرة فلينصرف « 3 » ! ! .
ومما يشهد لأبى على بصفاء ذهنه ، وخلو فكره - أنه سئل قبل أن ينظر في العروض عن خرم متفاعلن ، فتفكر وانتزع الجواب فيه من النحو « 4 » .
وقد يكون في هذه القصة شئ من المبالغة أشبه بذلك الذي يحكى عن الخليل من أن ملك اليونان كتب إليه كتابا باليونانية فخلا بالكتاب شهرا حتى فهمه . . . ، « 5 »
ولكن القصة على كل حال صدى لما كان يشتهر به أبو علي من الذكاء .
على أن آثار العالم تدل على عقليته ، وهذه كتب أبى على تنطق بما كان عليه من دقة في الاستخراج ، وبراعة في الاحتجاج ، ولطف في القياس والاستدلال ،
هامش
( 1 ) بغية الوعاة : 320 .
( 2 ) معجم الأدباء : 12 / 67 .
( 3 ) أعيان الشيعة : 21 / 21 حاشية نكتة الشيخ ! تحوية . . .
( 4 ) انظر بقية الخبر في معجم الأدباء : 7 / 235 / 226 .
( 5 ) انظر الخبر بتمامه في طبقات الزبيدي : 47 .