فلو خرم لأدى ذلك إلى لزوم الابتداء بالساكن ، وإذا رفضوا ما يؤدى إليه فإن يرفضوه نفسه أولى « 1 » .
أرأيت هذه التعليلات المنطقية ؟ ثم ما دخل العروض في المسألة ؟ وهل كان العربي الأول يعرف الخرم ومتفاعلن وفعول حتى يستدل به الفارسي في هذه القضية التي تعرض للبرهان عليها ؟
وكل هذه التعليلات بما فيها من المنطق والتفلسف والتعمل أيضا - جعل الناس يستصعبون التكملة ، كما أبعد التكملة أن تكون للمتعلمين المبتدئين ، وهي على هذه الصورة يشق على كثير من المنتهين .
وكما بدت نزعة الفارسي وبصيرته في هذه المسائل النحوية ، كذلك بدت في طريقة التدليل عليها على هذا النحو من الحجاج .
وبدت نزعته البصرية كذلك من أنه لا يأخذ بالشاذ ولا يقيس عليه :
أورد قول الفراء : « كان النحويون يقولون امرأة ، فإذا أدخلوا الألف واللام قالوا المرأة ، وهو وجهة الكلام . قال : وقد سمعتها بالألف واللام الامرأة » .
ثم عقب عليه بقوله : « ولعل الذي سمعها منه لم يكن فصيحا ، لأن قول الأكثر على خلافه « 2 » .
كذلك بدت هذه النزعة مع الخليل - ومن الغريب أن يكون ذلك - قال :
« زعم الخليل أن ناسا من بكر بن وائل يقولون : ردن ومرن « 3 » إذا أخبروا وأرادوا : رددن ومررن ، وهذا لا ينبغي أن يؤخذ به بشذوذه عن الاستعمال والقياس .
وأما الشذوذ عن الاستعمال فلقلة المستعملين له .
وأما الشذوذ عن القياس ؛ فلأنه إذا اجتمع أهل الحجاز على إظهار أردد ، ونحوه مع تعاقب الحركات التي ذكرنا عليها فأن لا يدغم نحو رددن التي لا تصل إليه الحركة البتة لاتصاله بالضمير أولى « 4 » .
وما كان ينبغي أن يهجم الخليل بما هجم ، وينسب قوله إلى الزعم ، فالخليل يروى ما يسمع ، ولعلهما متفقان على شذوذ مثل هذا الإدغام .
هامش
( 1 ) 67 .
( 2 ) التكملة 121 .
( 3 ) لم أجد شيئا من ذلك في الكتاب ، وهو المصدر الذي أرجّح أن الفارسي رجع إليه واستمد منه ما نسب إلى الخليل .
( 4 ) التكملة 66 .